*أن تسمع ما لا يُسمَع؛ وترى ما لا يُرى هو انقلاب مستعذَب في اللغة، لا يجيده الا الشعراء..*
كيتس Keats شاعر انجليزي، يعد من رواد الشعر الرومانتيكي..زار هذا الشاعر الكبير متحفا ذات مرة، وأخذ يحدّق في *جرّة فخارية اغريقية عتيقة*
Grecian Urn
عليها نقوش ورسومات تظهر مشاهد حياتية مارسها الناس قبل آلاف السنين من رقص وموسيقى وحياة مترعة بالحب…فكتب قصيدة أسماها:
*تأملات في جرة إغريقية عتيقة*:
*Ode On A Grecian Urn*
الرسومات المنقوشة في الجرة جعلت الشاعر يدعو في قصيدته للجديد غير المألوف:
*Heard melodies are sweet*
*But unheard melodies are sweeter*
ويعني *ان الالحان القديمة عذبة*
*ولكن أعذب منها تلك التي لم تُسمع بعد*.. !
السابقون أسمعونا الحانهم؛ فاستعذبناها ولكن أين ألحانكم أنتم؛ أين جديدكم الذي نشتهي!
الشاعر الانجليزي العظيم يحض زملاءه على الانفكاك من تقليد الموروث:
قولوا لي؛ يا رعاكم الله؛ *ما لم يقل*..
إئتوني ب *الجديد* الذي لم نسمع به ولم نره من قبل..هذا ما ينادي به كيتس في ثنايا قوله الشاعري..
*السنيسيزيا* اسلوب فني يخلط فيه الشاعر الحواس في اللعة، فيمنح فيه الصوت لوناً، والصمت طعماً، والضوء صدىً..حينها تصبح القصيدة شيئاً لا يُقرأ بالأذن وحدها، بل يُذاق ويُرى ويُلمس.
Synesthesia in poetry is when a poet deliberately mixes the senses in language..
ادونيس يعد من افضل من وظف هذا الأسلوب في شعره من شعراء الحداثة..اسمعه؛ يا هداك الله؛ يقول:
*وعليٌ رموه في الجٌبِّ..*
*غطوه بقش..*
*والشمسُ تحمل قتلاها وتمضي..*
*هل يعرف الضوءُ في أرض عليٍّ*
*طريقَه*..
*هل يلاقينا؟*
*سمعنا* دما؛
*رأينا* أنيناً..
استخدام أدونيس لفعلي *سمعنا* و *رأينا* يوحي لنا للوهلة الأولى أنه سمع صوتاً ورأى شيئاً حسيا ملموسا..غير أن التعبير الرمزي جعل الشاعر يسمع ما *يُبصَر* (الدم) ويرى ما *يُسمَع* (الأنين)!
أو بالأحرى إن العبقرية الشعرية والخيال الفني الخلاق جعلاه يسمع ما لا يُسمَع ويرى ما لا يُرى…
وهو نفس الأمر الذي نادى به كيتس!
ولنا أن نسأل من هو *علي* الذي يذكّرنا به أدونيس؟
في ظني *علي* هو صوت التنوير..صوت الضمير الحي الذي يحارب الظلمة بالضياء،..هو صوت الحق الذي لا يريده الآخرون.. *علي* هو *الشاعر العربي*…
عليّ هو ذلك الصوت العميق في جبه ينادي:
*في عيونك ضجة الشوق والهواجس*
*وريحة الموج البنحلم فوقو بجية النوارس*..
أين جبك يا ترى؛ بقشه ورمله وصمته العميق وغوره البعيد؟
الجلادون رموا علياً في الجب وغطوه بقش (حتى لا ينكشف أمره) ..إخوة سيدنا يوسف عليه السلام- من باب التناص- رموه في الجب كذلك، ولكن لم يضعوا عليه غطاءً يحول دون الوصول اليه؛ بل هرولوا في ذعر وقالوا لأبيهم أكله الذئب، بعكس ما هو الحال لجلاوزة السلطان..علي *رموه* و *غطوه* بالقش حتى لا يكتشف السيارة أمره..وهذا ما جعل أدونيس يتساءل إن كان ثمة أمل في عودة الضوء لبلادنا بعد أن رحل عنها مرغما:
*هل يعرف الضوءُ في أرض عليِّ، طريقَه؟*
*هل يلاقينا؟*
ادونيس توصل للخلاصة المأسوية:
عودة الضوء لبلادنا تريك يا هذا؛ دما (يُسمع) وأنينا (يُرى):
مشهد عليِّ داخل البئر وفوقه قش للتمويه، جعل ادونيس يسمع *دما* ويرى *أنينا* -اي يسمع ما لا يسمع ويرى ما لا يرى..وهو ما يعد انقلابا على المألوف لوصف الاستحالة: استحالة عودة الضوء إلى بلاد علي؛ طالما كان للظلمة عشاقٌ يجمّلمون القبحَ ..!
ولم يكن الفيتوري بعيدا عن هذا الاستخدام المبتكر للغة حين قال، في تهويماته الصوفية:
غيري أعمى
مهما *أصغى* لن *يبصرني*!
فالإصغاء ليس بصفة لحاسة البصر وإنما لحاسة السمع ولكن الفيتوري يريدنا باستخدامه الموغل في الرمزية المستعذبة أن نسمع ما نرى!
شيء عجيب..
يقولون شعراء الحداثة في الوطن العربي إنما يقلدون ما قاله شعراء الغرب؛ ولم يأتوا بجديد نابع من توظيف الخيال العربي!
وهذا في ظني محض هراء..
قرأنا ما قاله *ازرا باوند* واصحابه من دادائيين وتكعيبيين وتصويريين من شعر مرموز إلا أننا لم نر في كل اعمالهم انقلابا خلاقا في استخدام اللغة كما وظفه أدونيس والفيتوري..
فالخيال نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى للناس، لكي يوظفَه الناسُ ابداعيا، وصولا للجديد الذي ينتشل البشريةً من وهدة التقليد..
ولكننا نقر بأنه حين حاول بعض مفكرينا اعمال العقل وصولا لهذا الجديد؛ انبرى لهم السلفيون وفقهاء السلطان ورموهم بالزندقة والالحاد والجنون!
فالحلاج (شاعرا وليس فقيها) ومن بعده عباس بن فرناس (مخترعا وليس زنديقا) دفعا حياتيهما ثمناً للتفكير غير النقليدي وغير التقييدي حتى لا تُلغى خانة التخييل من فعل العقل العربي..
ما عرفت العرب أهجى منه بين شعرائهم..
هجا امه:
*تنحّي فاقعدي مني بعيدا،*
*اراح الله منك العالمينا..*
وهجا أباه:
*فنعم الشيخ أنت لدى المخازي،*
*وبئس الشيخ أنت لدى المعالي..*
وهجا نفسه:
*أرى لي وجها شوّه الله خلقه،*
*فقُبح من وجهٍ وقُبح حامله..*
ولقربه من الارض لُقِّب ب “الحطيئة”…
وللحطيئة الشاعر الهجّاء ينسب قول:
*خالف تُذكَر..*
*Be different to be known*
لقي اعرابيا على طريقه وسأله:
-من أشعر العرب؟
فقال الرجل: أنت!
فقال له الحطيئة: *خالف تذكر*..بل أشعر العرب من قال:
*ومن يكُ ذا فضلٍ فيبخلْ بفضلِه،*
*على قومِه يُستغنَ عنه ويُذممِ..*
والحطيئة يقصد بقائل هذا البيت *زهير بن أبي سلمى…*..
وبعبارة *خالف تذكر* ينصح الحطيئة العربي بأن يسعى للشهرة عن طريق مخالفة الناس والنأي بنفسه عما ألفوه..اي ان يخالف ما استقر عليه رأي الجماعة بأن أشعر العرب هو الحطيئة، ولعل الشاعر الهجاء خبيث اللسان ينصحنا نحن معشر السودانيين أن لا ننساق وراء قولنا الشعبي المأثور (الموت مع الجماعة عرس!)..
ما قاله الحطيئة هو المعنى ذاته الذي قصده *انشتاين* حين قال:
The person who follows the crowd will usually go no further than the crowd. The person who walks alone is likely to find himself in places no one has ever seen before..
وهكذا يأتي كلام *انشتاين* في اطار ما قاله الحطيئة للإعرابي حين شجعه على سلك الدروب غير المطروقة لياتي بما لم يسبقه إليه احد…
طور مبدعو الغرب مفهوم التخييل حين قالوا:
*Not all who wander are lost!*
*ليس كل من يطرق درباً جديدا يتوه!*
ولكن المبدع العربي يخشى من وقوع سيف السلطان، المعلق من السفف بشعرة، على رأسه، إن حاد عن الطريق المرسوم له؛ أي الطريق الذي يحول دون الإتيان بجديد ..
ومع ذلك نجد من شعرائنا المجددين من يمسك بجمرة عروة الخيال الوثقى في تحليقهم وصولا للجديد المفيد كما فعل الفيتوري وادونيس..


