أعمدة

مارنجان السودان.. كُفرٌ ووَتر، تسعة لغات والعاشرة ابتسامة

 

تلك لم تكن مجرد أُهزوجة عابرة طوتها ملاعب كرة القدم؛ بل كانت “شفرة جينية” لمدينة صاغها الجمال. أطلقها من سويداء قلبه ابن ود مدني البار ونجم مجتمع مارنجان، الأستاذ صلاح الحارث ( متّعه الله بالصحة والعافية) منذ ثمانينيات القرن الماضي. صدح بها لتلهب حماس المدرجات، لكنها في الحقيقة كانت تلخّص ملحمة وطن مُصغّر. طافت بذهني هذه العبارة الأثيرة وأنا في طريقي لحضور اللقاء التفاكري حول “المخاطر الأمنية” التي تواجه عملاقنا الصابر.. مشروع الجزيرة.
🧱 بابل السودانية.. حيث انصهرت الهويات
مارنجان لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت “المغناطيس الإنساني” الذي جذب إليه أطياف السودان من جهاته الأربع، بل ومن خلف الحدود. جاءوا تسوقهم أحلام العمل والعيش الكريم في كنف “المشروع”. هناك، حيث تهمس المحالج أو “الفبارك” – كما حوّرتها اللهجة السودانية الدارجة من الأصل الإنجليزي (Fabric) – بأسرار النماء. من المحلج رقم (1) إلى (4)، وصولاً إلى المحلج (11) الجديد، بينما كانت شقيقاتها (5، 6، 7، 9، 10) تواصل العزف في الحصاحيصا والباقير.
في ورش مارنجان الميكانيكية، تجلّت عبقرية العامل السوداني. هناك، في قسم “الكاتربيلر” لصيانة معدات الهندسة الزراعية، ووحدة “الهانسل” التي تعيد النبض لقاطرات سكك حديد الجزيرة.

ومن حكايات زمن الدهشة أن وفداً من الشركة الأمريكية الأم التي ورّدت القطارات، جاء بعد عامين متسائلاً بنبرة ريبة: لماذا لم يطلب مشروع الجزيرة قطع غيار طوال سنتين؟! فكانت الصدمة التي ألجمت الخواجات: “قسم الخراطة بمارنجان كان يصنّع كل قطع غيار الجرارات والتقاطرات محلياً وبأعلى كفاءة!”.
ولم يكن هذا كل شيء؛ فمن ورشة الكهرباء إلى الهندسة المدنية، وصولاً إلى “بابور السم” (مصلحة إكثار البذور) حيث تُصنع التقاوي التي تُحيي الأرض، وقشارة الأرز، ومخازن المشروع التي لم تكن تنام. وعلى رصيف الصناعة، يقف اسم الرائد فتح الرحمن البشير ومجموعة “شرف العالمية” كشاهد على العصر الذهبي للنسيج (مصنع النيل الأزرق، نسيج ود مدني، والهدى)، حيث كانت هذه القلاع توظف عشرات الآلاف، وتحيط بهم معاصر الزيوت ومطاحن الدقيق كخلية نحل لا تهدأ.

هذا التدفق الاقتصادي المهيب خلق حياةً رغدة. كانت الأجور مجزية، والأسواق تفيض بالخيرات. ويذكر ان سوق مارنجان كان به صفين من الجزارات، في كل صف سبعة منافذ، ولكل جزارة ثلاثة نوافذ بيع! كان الحد الأدنى اليومي للمذبحة لا يقل عن عشرين ثوراً ومثلها من الأغنام.
في ذلك الزمان الزاهي، كان عامل المشروع البسيط يبني بيته، يتزوج، يعلم أبناءه ويزوجهم من عرق جبينه المكرّم. وبحسبةٌ بسيطة تم اجرائها على راتب ذلك العامل البسيط في السبعينيات، كشفت لي أنه كان يعادل قيمة ثلاثة كباش فخمة! (الله لينا من الضحية بالتقسيط)

لكن.. هل كانت تلك التمازج البشري هي السبب الوحيد لمقولة “مارنجان السودان”؟.. الإجابة تكمن في تفاصيل الذهب الأبيض.
حين كانت بالة القطن المحلوج تخرج من المكبس؛ مضغوطة، محزمة بالحديد، ومغلفة بالخيش.. كان يُطبع عليها بالخط العريض بيانات المنتج: {MARNJN\ \ SUDAN}
Lot No : …}
لتشد الرحال إلى بورتسودان، ومنها إلى مصانع بريطانيا. هناك، في موانئ الضباب ومطاحن النسيج الإنجليزية، ارتبط اسم السودان كلياً بكلمة “مارنجان”.
والعهدة هنا على الرواة من كبار الموظفين الذين كانوا يقضون إجازاتهم السنوية مدفوعة الأجر والتذاكر في لندن، أو يبتعثون للتدريب, كانوا بمجرد أن يقولوا لمستقبيلهم الإنجليز إنهم من “السودان”، يبتسم الخواجة ابتسامة العارف ويقاطعهم بهتاف عفوي:
“Oh… MARNJN SUDAN!”

اليوم، ونحن نستمع لتفاكر شوي الشأن في “المخاطر الأمنية” التي تحيط بهذا المارد العملاق، لا نملك إلا أن نستدعي ذلك التاريخ لا للبكاء على أطلاله، بل لنستمد منه القوة. إن مشروع الجزيرة، بقلبه النابض في مارنجان، ليس مجرد حقول ومحاريث ، إنه “فكرة”، والفكرة لا تموت.

ٱخر الكلام

إن التنوع القبلي الذي انصهر في بوتقة مارنجان ليخرج لنا لغة “الابتسامة” العاشرة، هو ذاته التماسك الذي سيعيد بناء ما تهدم. سيعود القطن ليُحزم بالخيش، وستعود الماكينات لتصنع قطع غيارها بعبقرية سودانية خالصة، وستشرق شمس مارنجان مجدداً.. لتقول للعالم بأسره: هنا السودان.. هنا العزة والإنتاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى