قراءة في انشقاقات الدعم السريع.. المليشيا تنهار
من خسارة المقاتلين إلى تآكل الثقة.. تداعيات الانشقاقات داخل المليشيا

تقرير: عاصم الأمين
تتوالى الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع بصورة لافتة، في وقت تواصل فيه القوات المسلحة السودانية تثبيت مواقعها والتقدم في عدد من المحاور. وخلال الفترة الأخيرة، خرجت قيادات ميدانية ومجموعات من المقاتلين من صفوف المليشيا، واختارت الانضمام إلى القوات المسلحة، في مشهد يكشف اتساع التصدعات داخل مليشيا آل دقلو.
المسألة لم تعد مرتبطة بحالة أو اثنتين يمكن التعامل معهما باعتبارهما استثناءً. فمنذ انشقاق أبوعاقلة كيكل، ثم خروج النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القبة» وعلي رزق الله «السافنا»، تكررت حالات الانشقاق والتحاق مجموعات من المقاتلين بالجيش، بما يشير إلى أن حالة التململ داخل الدعم السريع بدأت تنتقل من مستوى الأفراد إلى مجموعات وقيادات ذات تأثير ميداني ومحلي.

القادة يغادرون
وانشقاق القادة تحديداً يمثل خسارة أكبر من مجرد فقدان عدد من المقاتلين. فالقائد يعرف تفاصيل القوة التي كان يعمل داخلها، من مواقع الانتشار وطرق التحرك إلى خطوط الإمداد وطبيعة العلاقة بين المجموعات والقيادات. وعندما يغادر القائد ومعه مقاتلون، فإن الدعم السريع يخسر القوة والخبرة والمعلومة في وقت واحد، بينما تحصل القوات المسلحة على عناصر لديها معرفة مباشرة بطبيعة خصمها.
خلافات داخلية وغبن
وتبرز كذلك الخلافات داخل بنية مليشيا الدعم السريع نفسها، سواء حول إدارة العمليات أو النفوذ أو الموارد أو طريقة التعامل مع القيادات المحلية. وهذا الغبن يفتح الباب أمام مزيد من حالات الخروج، خاصة عندما يجد القائد المحلي أن مصالحه لم تعد متطابقة مع قيادة المليشيا.
ولا يمكن فصل المشهد عن العامل القبلي والمناطقي، خاصة في دارفور وكردفان. فالمليشيا اعتمدت خلال السنوات الماضية على شبكات واسعة من التجنيد والعلاقات المحلية، ولذلك فإن أي تصدع في العلاقة بين القيادة المركزية وهذه المجموعات يمكن أن تكون له نتائج تتجاوز حدود الوحدة العسكرية. خروج قائد له تأثير في منطقة معينة قد يشجع آخرين على إعادة النظر في مواقفهم، وقد يحول الانشقاق من قرار فردي إلى موقف جماعي.
ما بعد الفاشر
وكان سقوط الفاشر محطة مهمة في إعادة ترتيب هذه الحسابات. فالمعركة الطويلة حول المدينة استنزفت قوات الدعم السريع وفرضت واقعاً جديداً في دارفور، ثم انتقلت الحرب إلى جبهات أخرى، خصوصاً كردفان، حيث أصبحت المعركة أكثر ارتباطاً بخطوط الإمداد والحشد المحلي. وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة أي طرف على الحفاظ على ولاء المجموعات المحلية عاملاً حاسماً في استمرار القتال.
في المقابل، تستفيد القوات المسلحة من الانشقاقات سياسياً وعسكرياً. فالجيش لا يستقبل مقاتلين وقيادات جديدة فحسب، وإنما يستفيد من خبراتهم ومعرفتهم بالمناطق التي عملوا فيها وبطبيعة انتشار الدعم السريع. كما أن انتقال قيادات معروفة إلى صفوف القوات المسلحة يمثل ضربة معنوية للمليشيا، ويعزز صورة الجيش باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة السودانية التي تتجه إليها المجموعات التي قررت مغادرة الدعم السريع.
إنشقاقات الدعم السريع..رسالة للداخل
ومع كل حالة جديدة، تصبح الرسالة أكثر وضوحاً داخل صفوف المليشيا: هناك من غادر، وهناك من عاد إلى صفوف القوات المسلحة، وهناك طريق مفتوح لمن يريد أن يغير موقفه. وهذهرسالة، تحولت إلى عامل ضغط حقيقي على معنويات المقاتلين.
الأهم من ذلك أن الانشقاقات أصبحت جزءً من الحرب النفسية بين الطرفين. باعتبارها دليلاً على تآكل صفوف خصمه، بينما تحاول قيادة الدعم السريع التقليل من أثرها وإظهار أن المغادرين لا يمثلون وزناً حقيقياً في بنيتها العسكرية. لكن الميدان وحده هو الذي سيحدد حجم التأثير، خاصة إذا استمرت القيادات والمجموعات في مغادرة مواقعها.

كردفان
وتبدو كردفان في الوقت الراهن واحدة من أهم المناطق التي يمكن أن تكشف اتجاه هذا المسار. فالمنطقة تمثل محوراً استراتيجياً بين وسط السودان ودارفور، كما أن تركيبتها الاجتماعية والقبلية تجعل موقف المجموعات المحلية مؤثراً في تطورات الحرب. وإذا تواصلت الانشقاقات هناك، خصوصاً إذا شملت قيادات ذات نفوذ قبلي ومجموعات مقاتلة، فإن تأثيرها قد يتجاوز حجمها العسكري المباشر.
فالانهيار العسكري لا يبدأ دائماً بسقوط مفاجئ. في كثير من الأحيان يبدأ من الداخل، عندما تهتز الثقة في القيادة، وتبدأ القيادات في البحث عن مخارج، ويصبح الخروج خياراً ممكناً أمام المقاتلين والمجموعات. وكلما تكررت حالات الانشقاق، يصبح الحفاظ على ما تبقى من التماسك أكثر صعوبة.

الانهيار
ومن هذه الزاوية، فإن توالي الانشقاقات داخل الدعم السريع يمثل مؤشراً مهماً على انهيار المليشيا من الداخل. فالمعركة لم تعد فقط حول السيطرة على المدن والمواقع، وإنما أصبحت أيضاً معركة على الولاء، وعلى قدرة كل طرف على الحفاظ على رجاله وقياداته ومجموعاته المحلية.
وفي النهاية، قد لا تكون أهمية ما يحدث في عدد الذين يغادرون الدعم السريع بقدر ما تكمن في توالي الخروج نفسه. فحين يصبح الانشقاق ظاهرة متكررة، وتبدأ القيادات والمجموعات في إعادة حساباتها، فإن المليشيا تواجه خطراً يتجاوز خسارة القوة البشرية إلى تآكل الثقة والولاء، وهي عوامل تمثل أساس أي قوة قادرة على الاستمرار في حرب طويلة.
توالي الانشقاقات إذن ليس مجرد سلسلة من الخسائر المنفصلة؛ إنه نزيف داخلي متواصل يبدو انه سيفضي إلى انهيار مليشا الدعم السريع وتفكك بنيتها من الداخل.



