عزيزة المعراج تكتب “الموظفون في الأرض” وفتنة القابضين على الجمر

شهدنا بالامس يوم الخدمة المدنية (23 يونيو)، وقد مرت هذه المناسب دونما ذكر او التفات لها وهي مناسبة تمرّ علينا والبلاد تعيش مخاضاً عسيراً، لتعيد إلى الأذهان سؤالاً جوهرياً طالما أرّق الحادبين على مفاصل الدولة السودانية ( وهم قليل ): كيف استحال “دولاب العمل” من ساحة للتنافس المهني الشريف إلى حلبة تفرض على البعض ممارسة “كسير الثلج” (التملق الإداري) والمحسوبية كآلية للبقاء أو الترقي؟
إن المأساة الحقيقية في الخدمة المدنية اليوم لا تقف عند حدود السلوك الفردي، بل هي نتاج مباشر لبيئة مشوهة عانت على مر سنوات عدة —وما زالت تعاني—من تغوّل السياسة على المهنية، ومن سياسات “التمكين” تارة و” الإقصاء ” تارة أخرى. وحين يصبح التوجه السياسي والمحاصصة السياسية أو الجهوية هما معيار الترقي وصعود المناصب، تسقط الجدارة، ويُدفع بـ “الرجل الصغير” في قام الكفاءة إلى المقاعد الكبيرة، مما يولّد مظالم إدارية غائرة تفقد الموظف ثقته في قيمة العطاء والتجرد.
في روائع الأدب العالمي، جسّد لنا الأديب الروسي أنطون تشيخوف في قصته الشهيرة “وفاة موظف” عمق المأساة الإنسانية عندما يتملك الخوف من السلطة قلب الإنسان؛ فالموظف الصغير لم تقتله العطسة، بل قتله الرعب من فقدان الرضا الإداري، والاعتذار المتكرر الذي تحول إلى هوسٍ تصفى فيه كرامته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.
وإذا أسقطنا هذه الفلسفة الأدبية على واقعنا، سنجد أن غياب الأمان الوظيفي في السودان يتجاوز رعب تشيخوف الرمزي إلى رعبٍ وجودي حقيقي؛ فالموظف السوداني اليوم يعيش تحت وطأة سيف مسلط وشائعات تتردد يومياً عن اتجاهات لتخفيض عدد العاملين بالدولة. هذا القلق المزمن بشأن لقمة العيش والاستقرار المهني، هو التربة الخصبة التي تنبت فيها ظاهرة “كسير الثلج”. والفساد فعندما يشعر الموظف أن حاميه ليس عطاؤه ولا لوائح المؤسسة، بل “الولاء والمحاباة”، يتحول الإبداع إلى تملق، ويصبح لزاماً عليه استجداء الرضا الإداري والسياسي ليحافظ على موقعه.
إن الموظف ليس تابعاً للمسؤول، والمسؤول ليس مالكاً للمؤسسة، بل كلاهما تروس في ماكينة واحدة يُفترض أن يديرها قانون الخدمة المدنية الصارم والمنصف.
لا يمكن تفكيك أزمة الخدمة المدنية دون الالتفات إلى الشق المادي والأخلاقي؛ فالأجور غير المجزية استثمرت في تحويل الموظفين إلى ما يشبه “المعذبين في الأرض”، يركضون في ساقية العمل اليومي المضني دون أن تفي رواتبهم بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
ولكن، تظل الآفة الكبرى والامتحان الأقسى هي تغلغل الفساد وغياب المحاسبة. إنها الفتنة الحقيقية التي تزلزل وجدان كل موظف شريف؛ حين يرى الفاسد، الذي يبيع ذمته أو يرتشي أو يتملق، يصعد سلم الترقيات ويفلت من العقاب والمحاسبة، بل ويُحتفى به كـ “شاطر” يعرف من أين تُؤكل الكتف!
في المقابل، يجد الموظف النزيه نفسه محاصراً، يقبض على جمر الأمانة وصدق الأداء، ويدفع ثمن نظافة يده تهميشاً وضيقاً في الرزق. هذا المشهد المقلوب لا يفسد الهيكل الإداري فحسب، بل يضرب المنظومة الأخلاقية للمجتمع في مقتل، ويحيل الاستقامة إلى عبء نفسي ثقيل يحتاج صاحبه إلى قوة إيمان وصبر استثنائيين للثبات عليه.
إن ترسيخ هيبة الدولة يبدأ من صون كرامة موظفيها، وتحرير دولاب العمل من قبضة التسييس والفساد. ولكي نحول الخدمة المدنية في السودان من مصدر للتوجس إلى بيئة جاذبة، لا بد من تبني حزمة من المبادئ المؤسسية الصارمة:
• تفعيل ميزان المحاسبة والنزاهة “من أين لك هذا؟”،
• تفكيك عقلية المحاصصة وحظر تسييس الوظيفة العامة.
• الأمان الوظيفي ومعامل الموظف كمورد هام ومجابهة القلق العمالي بشفافية كاملة، وإرساء الطمأنينة بأن حماية الموظف وتثبيته مرهونان بعطائه، لا باعتبارات اخرى .
• وبالتأكيد إصلاح الهيكل الراتبي: تحويل الأجر من “منحة شحيحة” إلى راتب عادل يضمن كرامة الموظف وعائلته، فالأجر المجزي هو خط الدفاع الأول الذي يحمي الشرفاء من فتنة الحاجة.
خاتمة
إن قوة المؤسسات السودانية لا تقاس بضخامة مبانيها بل بقدرتها على صون كرامة الموظف العام وترسيخ العدالة الإدارية.
تحية إجلال لكل أولئك الشرفاء الذين ما زالوا يقبضون على جمر الأمانة في مكاتب ومؤسسات الخدمة المدنية، صامدين في وجه الفتنة والاضطرار، آملين في غدٍ تعود فيه للوظيفة العامة رفعتها وعزتها بجبين مرفوع لا ينحني لغير الحق والقانون.



