مقالات

شباب فاتهم قطار التعليم… لكنهم لم يفوتوا قطار النجاح

د. مجدي الزبير يوسف

 

كثيراً ما يُنظر إلى من لم يكملوا تعليمهم على أنهم أقل حظاً أو أقل قدرة على النجاح، لكن الواقع يثبت أن الحياة ليست شهادة تُعلَّق على الجدران فحسب، بل هي إرادة وعمل واجتهاد وتجارب تصنع الإنسان.

 

ليس كل من فاته قطار التعليم أمياً، فالأمية الحقيقية ليست في عدم الحصول على شهادة، وإنما في غياب الوعي والثقافة والرغبة في التعلم. كم من شابٍ لم يكمل دراسته بسبب ظروف اقتصادية أو اجتماعية أو أسرية، لكنه استطاع أن يشق طريقه في الحياة حتى أصبح رقماً مهماً في مجتمعه، وصاحب أثرٍ في محيطه، ومصدر إلهامٍ للآخرين.

 

التاريخ مليء بقصص رجال ونساء لم يحصلوا على أعلى الدرجات العلمية، لكنهم امتلكوا العزيمة والإصرار والقدرة على التعلم من تجارب الحياة. فنجحوا في التجارة، والزراعة، والصناعة، والإدارة، والعمل المجتمعي، وأصبحوا نماذج يُحتذى بها.

 

وفي المقابل، نجد أشخاصاً نالوا أعلى الشهادات العلمية، لكنهم عجزوا عن فهم أبسط معاني الحياة، أو التعامل مع الناس، أو توظيف علمهم لخدمة مجتمعهم. فالعلم وحده لا يصنع الإنسان الكامل، بل يحتاج إلى أخلاق وحكمة وخبرة وقدرة على التواصل مع الآخرين.

 

إن التعليم يبقى من أعظم وسائل بناء الإنسان وتطوير المجتمعات، ولا غنى عنه في نهضة الأمم، لكن غيابه لا يعني نهاية الطريق. فالحياة مدرسة كبيرة، والدروس لا تُؤخذ من الفصول الدراسية وحدها، بل من التجارب والمواقف والعمل والاحتكاك بالناس.

 

إن واجبنا تجاه الشباب الذين فاتهم قطار التعليم هو ألا نحكم عليهم بالفشل، بل نفتح أمامهم أبواب التدريب والتأهيل والعمل والإبداع. فربما يحمل أحدهم مشروعاً يغير حياة الآخرين، أو فكرةً تساهم في تنمية وطنه، أو موهبةً تحتاج فقط إلى من يكتشفها.

 

فلا تحتقروا إنساناً لأن شهادته قليلة، ولا تعظموا آخر لأن شهادته كثيرة. فالقيمة الحقيقية للإنسان فيما يقدمه من خير وعطاء، وفي أثره بين الناس، وفي قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والفشل إلى نجاح.

 

ويبقى السؤال: كم من موهبة دفنتها الظروف بعيداً عن مقاعد الدراسة؟ وكم من ناجحٍ صنعته الإرادة رغم أن قطار التعليم قد مضى من أمامه؟

 

إن الأوطان تبنى بالعلم، لكنها أيضاً تبنى بالسواعد المخلصة، والعقول المبدعة، والإرادة التي لا تعرف المستحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى