أعمدة

د. موسى عبدالهادي عبدالله يكتب .. أزمات الفكر والثقافة ووظيفة المثقف في المجتمعات

 

 

■ طالما أرّق هذا السؤال الجوهري ضمير الفكر الإنساني: هل تُختزل وظيفة المثقف في تكديس الرصيد المعرفي الضخم، واستعراض العضلات النظرية، وإنتاج المفاهيم المركبة التي تتبارى في صالونات النخبة؟ أم أن جوهر الثقافة يكمن في قدرة صاحبها على مغادرة أبراجها العاجية، ليعجن تلك الأفكار في «طين الواقع»، محولًا إياها إلى سلوك معاش ينبض في تفاصيل الحياة اليومية للناس؟

 

■ إننا نلتقي مرارًا وتكرارًا بأولئك الذين يملؤون الدنيا صخبًا بشعارات الحرية والعدالة على صفحات الكتب وفي كواليس المنصات الرقمية، فإذا ما وضعوا على محك الاختبار في أبسط النقاشات الواقعية والحوارات، سارعوا إلى مصادرة حق الآخر في الاختلاف في أقبح أشكال عدم قبول الآخر، وكأن النظريات العميقة لا تعدو أن تكون إلا قناعًا يحكي عن ذلك النفاق الاجتماعي ومساحيق تجميل لا تهبط إلى أعماق الروح.

 

■ بالمثل، تبرز طائفة أخرى تفرز أفكارًا برّاقة ومشاريع فكرية مذهلة، غير أنها تظل حبيسة الأوراق ومؤبّدة في الدوائر النظرية، عاجزة عن مدّ جسر حقيقي يربطها بهموم المجتمع وتطلعاته.

 

■ ولعل المعيار الأدق والأكثر قسوة لهذه الإشكالية نجده مجسدًا في مقولة المفكر العميق الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري، حين قطع باختبار فاصل قائلًا بوضوح لا لبس فيه:

 

«إن المثقف الذي لا يحول أفكاره إلى واقع ملموس في مجتمعه لا يستحق لقب المثقف».

 

■ هذه الرؤية النافذة تلتقي في عمقها مع أبجديات «التخطيط الاستراتيجي» الرشيد؛ فالتخطيط الحق لا يقف عند حد صياغة الخطط الفخمة أو ديباجة النظريات الورقية، بل يرتكز أساسًا على تحويل الرؤى إلى برنامج عملي ملموس، يشتبك مع هموم الناس اليومية ويصنع فارقًا حقيقيًا في وجدانهم وحياتهم.

 

■ المثقف الحقيقي، بهذا المعنى، ليس من يبرع في حفظ النظريات وسردها، بل من يتخذ من فكره جسرًا نيرًا يعبر به مجتمعه نحو واقع أرحب وأفضل، مدركًا أن القيمة الحقيقية للوعي تكمن دائمًا في قدرته على التغيير لا في الاكتفاء بالتأمل.

 

■ نريد حلولًا للمشكلات التي يعيشها الوطن في هذه الظروف الاستثنائية جراء هذه الحرب التي تحاصره من كل الجوانب. نريد حوارًا يعكس قدرة هذه العقول التي يُطلق عليها نخبة مثقفة، وتستطيع أن تنتج وتحول أفكارها ونظرياتها إلى واقع ملموس نحو تنمية مستدامة تشمل كل مناحي الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى