مقالات

مشروع الجزيرة: مؤسسة إقليمية فدرالية رؤية تفصيلية لإصلاح مشروع الجزيرة بوصفه منظومة زراعية، صناعية، إجتماعية متكاملة (2-2)

عاصم الطيب قرشي

 

نواصل في هذا الجزء عرض الرؤية الشاملة لإعادة بناء مشروع الجزيرة بوصفه منظومة إنتاجية متكاملة، تتجاوز المفهوم الزراعي التقليدي إلى نموذج إقليمي فدرالي يجمع بين الزراعة، والطاقة، والمياه، والإسكان، والنقل، والاقتصاد الدائري، بما يحوّل المشروع إلى كيان حيّ قادر على إنتاج الغذاء والطاقة والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.

، إدماج الثروة المائية والحيوانية:

الماء لا يجب أن يروي الزرع فقط، بل الاقتصاد كله

1. تربية الأسماك في الترع

حين تتحول القنوات من ممرات ماء إلى مزارع حياة. تمثل الترع والقنوات في مشروع الجزيرة ثروة مائية هائلة، لكن الاستفادة منها كان محصورة في الري فقط.

بينما يمكن تحويلها إلى مورد غذائي واقتصادي إضافي بتربية الأسماك عبر الأقفاص السمكية ومن التصنيع والتبريد والتسويق.

الفوائد:
بروتين منخفض التكلفة
دخل إضافي للأسر
تنويع النشاط الاقتصادي
تقليل الهدر في استخدام المياه.

2. فكرة الأرز السمكي المطبقة في إندونيسيا

تكامل ذكي بين النبات والحيوان طالما توفرت المياه الغامرة وحرارة الجو المناسبة. من أذكى النماذج الزراعية في العالم ما يُعرف بـ نظام الأرز السمكي، وهو مطبق في أجزاء من إندونيسيا وبعض بلدان آسيا، حيث تُربّى الأسماك داخل حقول الأرز.

ما الذي يمكن أن تستفيده الجزيرة؟

إذا أُدخلت زراعة الأرز في أجزاء مناسبة من المشروع، يمكن دمجها مع تربية الأسماك؛ تدوير المغذيات وتخصيب التربة بمخلفات الأسماك؛ تقليل بعض الآفات؛ زيادة العائد من نفس المساحة.

الفكرة الجوهرية: سمك وأرز في نفس المساحة يعني دخل مضاعف، وهذا هو جوهر الاقتصاد الذكي بأن نجعل المورد الواحد يؤدي أكثر من وظيفة.

3. تربية الدواجن

الزراعة لا تكتمل دون بروتين سريع الدورة. لكي يصبح مشروع الجزيرة إقليم غذائي متكامل، لا بد من إدماج قطاع الدواجن ضمن المنظومة (دجاج بياض ولاحم؛ دجاج بلدي وبطري؛ طيور سمان ودجاج كنو إلخ من انواع الطيور والدواجن).

لماذا الدواجن؟

لأنها سريعة الإنتاج؛ تأخذ مساحة صغيرة نسبيا؛ تدعم الأمن الغذائي؛ تخلق فرص كبيرة للشباب والنساء.

ما هو المطلوب؟

إنشاء وحدات دواجن أسرية وتعاونية وربطها بإنتاج الأعلاف من المشروع نفسه.

دعم عمليات إنتاج البيض، الفراريج والتفريخ؛ اللقاحات والخدمات البيطرية.

وهنا تتكامل دائرة مخلفات الزراعة يطعم الدواجن، والدواجن تطعم المجتمع، والمخلفات تعود مرة ثانية للتربة.

سادساً، الطاقة في مشروع الجزيرة

الماء الجاري ليس للري فقط… بل للكهرباء أيضاً. إذا كان مشروع الجزيرة يملك شبكة ترع وقنوات وكنارات ممتدة، فإن هذه الشبكة لا يجب أن تُفهم فقط بوصفها أداة ري، بل فرصة توليد تيار من طاقة كامنة.

توليد الكهرباء من المياه المتدفقة

ميكرو-هيدرو كهرباء من الحركة اليومية للماء.

يمكن إستثمار تدفق المياه في الكنارات والقنوات الرئيسية والترع الفرعية ذات الإنحدار المناسب لإنتاج كهرباء صغيرة أو متوسطة النطاق عبر توربينات مائية بسيطة.

الإستخدامات الممكنة:
إنارة القرى، تشغيل الطلمبات، تشغيل وحدات التبريد، تشغيل البيوت المحمية، تغذية الورش والمعاصر الصغيرة.

الأثر الإستراتيجي:

هذا يعني أن الجزيرة قد تصبح مُنتِجة للطاقة من داخل بنيتها المائية نفسها، وبذلك يتحول الماء من مورد أحادي الوظيفة إلى مورد ثلاثي الوظيفة: ري، تربية سمكية وتوليد كهرباء.

سابعاً، النقل داخل المشروع:

إذا ماتت السكة الحديد فلنستغل الممرات المائية للنقل الداخلي.

إن من أكبر الخسائر التاريخية في مشروع الجزيرة هي تدمير شبكة السكك الحديدية الداخلية التي كانت تمثل شريان لوجستي عبقري.

لكن بدل البكاء على ما فُقد فقط، يجب التفكير في بديل ذكي نابع من طبيعة المشروع نفسه.

النقل المائي داخل الترع والقنوات

الترعة ليست فقط مجرى ماء… بل يمكن أن تكون طريقاً بإعادة تصميم بعض أجزاء المشروع بحيث تسمح بمرور زوارق نقل صغيرة؛ قوارب خدمية ووسائط نقل زراعي خفيفة.

وذلك عبر الآتي:

1. تعديل الكباري على الترع بحيث تُرفع أو يُعاد تصميمها في بعض المقاطع لتسمح بمرور الزوارق.

2. إنشاء محطات تحميل صغيرة لنقل المحاصيل، المدخلات، الأعلاف، الأسماك، المنتجات الريفية.

3. تطوير النقل المائي القروي لتخفيف كلفة الشاحنات؛ ضغط الطرق؛ محو آثار انهيار السكك الحديدية.

الفكرة الاستراتيجية:

إذا كان الماء يجري داخل المشروع، فلماذا لا يتحول إلى طرق اقتصادية حيّة؟

تصبح شبكة ري الجزيرة مدينة زراعية مائية وليس مجرد شبكة ري جامدة.

ثامناً، السكن داخل الحواشات والمزارع

نقلة من المزرعة البعيدة إلى الأسرة المنتجة المقيمة.

هذه واحدة من أكثر الأفكار ثورية وأهمية لأنها تنقل المشروع من نموذج الذهاب إلى الأرض إلى نموذج العيش داخل الأرض.

اقتراح سكن الأسر المنتجة داخل المزارع أو الحواشات

الأسرة كخلية إنتاج لا كمتلقية دعم فقط.

يمكن إعادة تخطيط أجزاء من مشروع الجزيرة بحيث تحتوي على وحدات سكنية بسيطة ومنظمة؛ ملحقات إنتاجية؛ حدائق منزلية؛ وحدات دواجن؛ مشاتل؛ بيوت محمية؛ أحواض أسماك صغيرة؛ مساحات تصنيع منزلي.

لماذا هذه الفكرة مهمة؟

لأنها تقلل كلفة التنقل؛ تزيد الارتباط بالأرض؛ ترفع معدل الإنتاج اليومي؛ تحوّل الأسرة إلى وحدة اقتصادية حية؛ تقلل النزوح إلى المدن؛ وتبني مجتمعات ريفية مستقرة.

ماذا يمكن أن تنتج الأسرة من داخل الحواشة؟

خضروات، بيض، ألبان، لحوم بيضاء، زعفران، توت، قضيم، حرير، أسماك صغيرة، منتجات مجففة، أغذية منزلية مثل المخبوزات والمعجنات القابلة للتسويق؛ منسوجات الكروشيه القطنية والحريرية إلخ.

بذلك لا تصبح الحواشة مجرد حقل، بل بيت ريفي + مزرعة + مصنع صغير + مدرسة معيشة.

تاسعاً، نحو اقتصاد دائري داخل مشروع الجزيرة

لا شيء يُهدر… كل شيء يمكن أن يُعاد توظيفه وتدويره.

إذا أردنا أن ينجح هذا التصور، فلا بد أن يقوم على منطق الإقتصاد الدائري، أي أن يتحول المشروع إلى منظومة تقل فيها الفواقد وتزداد فيها الروابط.

مثال على ذلك:

مخلفات المحاصيل تتحول إلى أعلاف، أسمدة، وخشب مضغوط.

مخلفات الدواجن تتحول إلى أسمدة عضوية.

مياه الترع والكنار = ري + سمك + طاقة.

التوت = غذاء + حرير.

الجاتروفا = زيت + وقود.

الكسافة = غذاء + نشا + علف.

الفواكه = استهلاك + تجفيف + تصنيع.

هذا ما يجعل مشروع الجزيرة ليس مجرد مساحة منتجة، بل منظومة حيوية ذكية.

عاشراً، البعد الفدرالي الحقيقي

حين نقول إن مشروع الجزيرة يجب أن يُعاد بناؤه ضمن منطق فدرالي أو وصف مشروع الجزيرة كنواة وسط سوداني منتج، فذلك لا يعني الإنعزال، بل يعني:

تمكين الإقليم من إدارة موارده؛ بناء اقتصاد محلي؛ تقصير السلاسل البيروقراطية والتبعية للمركز؛ تعزيز العدالة التنموية.

وبذلك يمكن أن يصبح مشروع الجزيرة نموذج لفدرالية الإنتاج.

أي فدرالية تقوم على الأرض، الماء، الغذاء، الطاقة، السكن، المجتمع والأسر المنتجة، الصناعة الريفية، النقل المحلي، والقرار الاقتصادي المحلي الصادر من قواعد المجتمع.

خاتمة:

مشروع الجزيرة، إذا أُعيد تخيله بهذه الطريقة، لن يعود مجرد مشروع زراعي بل سيتحوّل إلى مؤسسة إقليمية فدرالية حاضنة للأسر المنتجة؛ مختبر للزراعة الذكية؛ مصدر للطاقة الحيوية والمائية؛ قاعدة للأمن الغذائي؛ فضاء للنقل المائي الداخلي؛ ومهد لنهضة سودانية تبدأ من الأرض ولا تنتهي عندها.

فالجزيرة، في هذا التصور، لا تزرع القطن فقط بل تزرع الزعفران، الكسافة، التوت، الإستيفياء، الموز، العنب، التين، السمك، الدواجن، الحرير، والكهرباء، أي أنها تنتج نمط حياة جديد.

حين يحدث ذلك، فإن السؤال لن يكون كيف نعيد مشروع الجزيرة لسيرته الأولى؟

بل سيكون كيف نجعل السودان كله يتعلم من الجزيرة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى