عزيزة المعراج تكتب في كلام ترابلة.. حين تزرع جامعة الجزيرة المستقبل

بعض الأخبار لا تمرّ على العين مرور الكرام كغيرها. تقرأها، ثم تظل معك طويلاً لأنها لا تنقل خبراً فحسب، وإنما تفتح نافذة على احتمال جميل. هكذا استوقفتني زيارة السيد وزير الثروة الحيوانية والسمكية الاتحادي، البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، إلى الحبيبة الرحيبة جامعة الجزيرة، وما طُرح خلالها من شراكة استراتيجية لتفعيل مشروع «الجامعة المنتجة». استوقفتني لأنني رأيت فيها شيئاً يتجاوز المشروع نفسه؛ رأيت جامعة الجزيرة تستعيد واحدة من أعمق ملامح فكرتها الأولى: جامعة لا تعيش بعيداً عن مجتمعها، وإنما تنزل بالعلم إلى الأرض، وتحول المعرفة إلى إنتاج، والبحث إلى قيمة، والجامعة إلى قوة فاعلة في التنمية الريفية. أن تكون الجامعة منتجة، يعني أن يصبح لها اقتصادها الذي يسند رسالتها، ومزارعها التي يتعلم فيها طلابها، ومشروعاتها التي يختبر فيها باحثوها أفكارهم، ونماذجها التي يستطيع الشباب والمنتجون أن يحملوها إلى مجتمعاتهم. أبقار وألبان ولحوم، دواجن وأسماك، أعلاف ومحاصيل، طاقة شمسية، وتصنيع وتسويق؛ منظومة واحدة تحسب تكلفة الإنتاج وعائده، وتعرف أين تُهدر الموارد وأين تُصنع القيمة. وهنا تأتي أهمية Farming System؛ فالفدان لم يعد مجرد مساحة للزراعة، وإنما وحدة إنتاج ينبغي أن نعرف تكلفتها وإنتاجيتها وربحيتها، وأن نرى كيف يمكن للمحصول والحيوان والطاقة والتصنيع أن تعمل معاً في دورة اقتصادية أكثر كفاءة. لكن أجمل ما في الفكرة، في تقديري، ليس ما ستنتجه الجامعة من لبن أو لحم أو محصول. إنما ما يمكن أن تنتجه من حياة أفضل. جامعة يستطيع منسوبوها أن يشعروا بثمار العمل والإنتاج، ويجد طلابها مساحة للتعلم والعمل، وتجد فيها الكفاءات العلمية مجالاً لتحويل المعرفة إلى مشروعات، ويخرج خيرها من أسوارها إلى المزارع والقرى والمجتمع المحيط. هنا تصبح الجامعة أكثر من مؤسسة تعليمية. تصبح مجتمعاً منتجاً، ونموذجاً للتنمية، ومصدراً للفرص. وهذه الفكرة تليق بجامعة الجزيرة؛ فالجامعة التي نشأت وفي قلب رسالتها التنمية الريفية، تستطيع اليوم أن تقدم نموذجاً حديثاً لها، يقوم على العلم والكفاءة والتكامل والقيمة المضافة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على إنشاء مزرعة جامعية ناجحة فحسب، وإنما على بناء نموذج يمكن أن يُحتذى ويُعمّم. فإذا نجحت التجربة داخل الجامعة، يمكن أن تنتقل إلى الشباب، وصغار المنتجين، والمجتمعات الريفية، لتصبح المعرفة التي تُنتج هنا خيراً يتجاوز أسوار الجامعة. وهنا تحديداً يكمن الأمل. أن نرى جامعة الجزيرة لا تكتفي بتخريج من يحملون الشهادات، بل تخرّج أيضاً مشروعات، وفرصاً، ونماذج إنتاج، وحلولاً لمشكلات المجتمع. أن يكون لها ما تنتجه، وما تبيعه، وما تستثمره، وما تعيد به بناء نفسها، ثم يكون للمجتمع نصيب من هذا الخير. ذلك هو المعنى الحقيقي للجامعة المنتجة.
آخر الكلام
أن تزرع الجامعة في أرضها، فيحصد منسوبوها ثمرة العمل، ويصل خيرها إلى مجتمعها، ويكبر النموذج حتى يصبح جزءاً من نهضة الريف والاقتصاد الوطني. وحين تصل جامعة الجزيرة إلى هذه المرحلة، فإنها لن تكون قد استعادت مشروعاً إنتاجياً فحسب؛ بل تكون قد أعادت للجامعة دورها الطبيعي: أن تكون مصنعاً للمعرفة، ومنبتاً للفرص، وشريكاً أصيلاً في صناعة حياة كريمة ومستقبل أفضل.



