عزيزة المعراج تكتب في كلام ترابلة.. السيادة الوطنية على محصول القطن: حلم بعيد المنال أم قرار سيادي غائب؟
أزمة الأصناف المحلية والبطء البيروقراطي يهددان مستقبل القطن السوداني

يقف محصول القطن في السودان — الذهب الأبيض الذي طالما شكّل الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني ومصدر العيش الكريم لملايين المزارعين والعمال — على شفا جرف هار؛ جراء شلل سياسات إدارة السلامة الإحيائية والبطء البيروقراطي الفادح الذي يحرم الفلاح السوداني من التكنولوجيا الحديثة والأصناف المحورة، وفي مقدمتها الصنف (RR) المقاوم للحشائش.
فذلكة تاريخية: من مجد الأصناف التقليدية إلى عزوف المزارعين
سجل القطن السوداني عبر تاريخه الطويل حضوراً عالمياً بارزاً، لا سيما الأصناف التقليدية فائقة الطول والمتانة التي ميزت مشروع الجزيرة والمشاريع القومية. إلا أن هذا التاريخ الحافل تصدع أمام تحديات كبرى:
تكلفة المكافحة الباهظة: تحول استهداف الآفات، وعلى رأسها “دودة ورق القطن” و”الدودة الشوكية”، إلى عبء مالي ضخم أثقل كاهل المزارعين جراء الارتفاع المتزايد لسعر الرش الجوي والأرضي ومستلزماته.
التلوث البيئي بالمبيدات: أدى الاستخدام المكثف والإفراط في رش المبيدات الكيميائية لمكافحة الآفات إلى تلوث واسع للتربة والمجاري المائية، فضلاً عن الأضرار الصحية على الإنسان والحيوان.
عزوف المزارعين ودخول القطن المحور: دفع العبء المالي للتكاليف والتلوث البيئي المزارعين إلى العزوف التدريجي عن زراعة القطن، مما شرع الباب لاحقاً أمام دخول التقانة الحديثة والأصناف المحورة وراثياً (كالقطن المحور المقاوم للآفات والمبيدات) سعياً لتقليل الرش وخفض التكلفة.
معاناة المزارعين: سنوات من التعثر وتراكم الديون
الواقع الحقلي لمزارعي القطن، لا سيما في القطاع المطري بمناطق الدمازين والقضارف وجبال النوبة، وصل إلى مرحلة لم تعد تحتمل الصبر أو التسويف:
انهيار الإنتاجية وتبدد الآمال: تراجعت إنتاجية الأصناف التقليدية إلى أدنى مستوياتها لتتراوح بين 4 إلى 7 قناطير للفدان كحد أقصى، وهي إنتاجية ضعيفة لا تغطي تكاليف التحضير والخدمة، مما أغرق المزارعين في ديون متراكمة.
استحالة السيطرة على الحشائش: يواجه مزارع القطاع المطري أزمة حادة في توفير العمالة اليدوية لحش وتطهير المساحات الشاسعة، مما يجعل استخدام الأصناف المقاومة للمبيدات خياراً مصيرياً.
الأصناف المعدلة السابقة مثل صيني 1 شهدت تدهوراً وراثياً كبيراً، مما جعل المزارع دون سند فني أو تقني يقيه غائلة الخسارة.
رئيس منظمة القطن للتنمية وعضو اللجنة القومية للقطن: تحدث عن جمود البحوث وخطر التبعية الاقتصادية
في هذا السياق، يطلق الأستاذ فتح الرحمن الماحي يوسف، رئيس منظمة القطن للتنمية، تصريحات حادة تحذر من خطورة الوضع الراهن وتداعيات الجمود المؤسسي وكذا: “إن هذا التعنت البيروقراطي، وتحديداً من إدارة السلامة الإحيائية، سيقضي على المحصول الاستراتيجي الذي يعيش عليه الشعب السوداني من أول العام إلى أخيره.. الصنف (RR) دخل البيئة السودانية ويعمل به المزارعون فعلياً منذ أكثر من 16 عاماً دون تسجيل أي أضرار بيئية، وهو الحل الوحيد لمعاناة المزارع في القطاع المطري لأنه يوفر كلفة العمالة الباهظة.”
وأضاف الأستاذ فتح الرحمن الماحي يوسف موضحاً عمق أزمة الأصناف المحلية، موضحاً أن: “برنامج بحوث القطن بهيئة البحوث الزراعية لم يفعل أي شيء منذ عام 2007، واعتمد على أصناف رفضها المزارع وأصبحت غير ذات جدوى وظل يرقب الأصناف المحورة دونما تحرك بحثي فاعل، بالرغم من تدهور الأصناف المحلية مثل صنف (حامد) الذي لم يُزرع منذ عام 2011. وفي عام 2020 تم تنسيق عمل مشترك بين منظمة القطن والمركز الصيني والبحوث الزراعية، حيث عرض المركز الصيني التنازل عن الجين (CRY 1) وإضافته للأصناف المحلية، إلا أن الأمر ظل يراوح مكانه دونما تقدم لأربع أعوام ودون اتخاذ أي قرار.”
وحذر رئيس المنظمة من التبعية للتقانات الخارجية قائلاً:
“إن الاعتماد الكامل على الأصناف الأجنبية دون توطينها هو تمكين للآخر للتحكم في زراعة محصول استراتيجي مهم، وهو بمثابة احتلال اقتصادي ينذر بانهيار وشيك، ولعل أزمة القطن الهندي الحالية خير دليل على ذلك.”
من جانبه، يقدم البروفيسور أحمد حسن أبو عصار، المدير العام لهيئة البحوث الزراعية، الرؤية الفنية والحلول العملية لتجاوز هذا الانسداد الميداني والتشريعي:
تطوير البروتوكولات وتوسيع المداخل: تعديل بروتوكول تجريب الأصناف بفتح المجال أمام شركات القطاع الخاص لإدخال عدد أكبر من المداخل الزراعية (من 9 إلى 10 مداخل) في مناطق مقفلة ومحددة (كالدمازين والقضارف) لتقوية التحليل الإحصائي وتسرّيع الإجازة.
الشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص: نقل عبء الاستيراد والتكاليف للشركات الخاصة المعتمدة، مع تفرغ هيئة البحوث لصيانة الأصناف وتوفير “بذور الأساس” والرقابة العلمية.
سباق مع الزمن: التنبيه إلى حرج موقف المواعيد المفصلية للزراعة الصيفية، مما يتطلب مرونة كاملة وتوقيع مذكرات تفاهم عاجلة.
رؤية مؤسس مركز السلامة الحيوية: مراجعة المنهج وإجازة التقانة (بروفيسور عبد الباقي مختار علي غانم)
وفي تحليل فني وتاريخي متكامل لأزمة البحوث والسلامة الحيوية، يضع البروفيسور عبد الباقي مختار علي غانم، المؤسس الفعلي لمركز السلامة الحيوية في السودان، النقاط على الحروف عبر عدة محاور مفصلية:
1. الجذور التاريخية وقصور المنهج القديم:
نشأة التقانة الحيوية: أشار البروفيسور إلى أن معمل التقانة والسلامة الحيوية تأسس في الأصل من قلب برنامج بحوث القطن بمدينة ود مدني، وكان مقره في الطابق العلوي بمعمل اللزوجة قبل انتقاله لاحقاً إلى شمبات.
قصور الطرق التقليدية: أكد أن استمرار الاعتماد على الطرق التقليدية للتربية والاستزراع دون تطوير أصناف محلية معدلة لن يعيد للقطن السوداني جودته أو قدرته على المنافسة العالمية، مشدداً على أن السير في هذا الاتجاه القديم هو اتجاه خاطئ تماماً.
كما حثّ على أهمية الانتقال السريع إلى تقنيات الجيل الثاني من القطن المحور (Second Generation Bt) الدمجية، والتي تجمع في ذات الوقت بين مقاومة الآفات والحشرات ومقاومة الحشائش (Herbicide-tolerant).
2. حتمية إجازة الصنف المقاوم للحشائش (RR) وتوطينه:
أوضح البروفيسور أنه لم تعد هناك مبررات منطقية للتعطيل أو التخوف من تقانة (RR)؛ فهي متبعة ومجربة عالمياً ومحلياً دون تسجيل أي أضرار بيئية أو صحية يُعتد بها، لافتاً إلى أنه من الممكن قبول الصنف مع عدم التقيد بالتطبيق الحرفي للقانون بسبب ظروف الحرب؛ كون الخطر المنصوص عليه محتملاً ليس إلا.
كما شدد على أنه لا ينبغي للمؤسسات تضييق الخناق على المزارعين والإنتاج القومي جراء التمسك البيروقراطي أو المخاوف الأكاديمية، خاصة في ظل حاجة البلاد الماسة للتوسع في الإنتاج وتقليل التكلفة.
وكشف عن وجود أبحاث وتجارب جينية سابقة قام بها مع طلاب ماجستير (مثل أبحاث الطالب ياسر قسم السيد) لنقل الجينات المقاومة للحشائش والآفات وإدماجها في الأصناف المحلية لتوطين التقانة بدلاً من إهدار الوقت.
3. خريطة طريق المستقبل والتوصيات:
مجلس استشاري قومي (National Advisory Body): الدفع باقتراح إنشاء مجلس استشاري يضم المزارعين والخبراء والمختصين وتكون لديه سلطات تنفيذية وفنية لوضع سياسات ومسار القطن وتجاوز العقبات الإدارية.
كما أكد على أهمية مراجعة نظام السلامة الحيوية ليكون نظاماً مشجعاً ومرناً يساعد على نقل التقانات الحديثة والبدء من حيث انتهى الآخرون لا من نقطة الصفر. ومعالجة الإشكالية الجوهرية المتمثلة في غياب خطة واضحة لإحلال أصناف محلية معدلة تدعم السيادة الوطنية للمحصول.
آخر الكلام
إن استمرار الوضع الراهن يعني حرمان آلاف الأسر والمزارعين في الجزيرة والرهد والدمازين والقضارف من مصدر دخلهم الرئيسي.
تتطلب المرحلة قرارات سيادية شجاعة تُنهي حالة الفزع القانوني لدى الباحثين، وتلزم إدارة السلامة الإحيائية بالتحرك الفاعل لحماية المزارع السوداني، مع إطلاق خطة استراتيجية وطنية لتوطين الأصناف المحورة محلياً لضمان السيادة الوطنية على هذا المحصول الهام.



