
حضرنا يوم أمس الأربعاء في مقر جمعية إسناد لدعم المتأثرين بالحروب والكوارث تدشين كتاب الذاكرة السودانية لمحمد الشيخ حسين (المجموعة الأولى). وكانت مشاركتي تقديم عرض للكتاب مع سعادة السفير الدكتور خالد محمد فرح، واستمعنا لرسالة صوتية من البروفيسور علي محمد شمو.
ويعد الكتاب وثيقة اجتماعية وسجلا تاريخيا يوثق لشخصيات مهمة في السياسة والثقافة مثل جعفر نميري ومنصور خالد وزين العابدين الهندي والصادق المهدي وعبدالله حمدنا الله وإسماعيل الحاج موسى وآخرين.
وحوى كتاب الذاكرة السودانية ثماني كتب للمؤلف عبارة عن مقالات واستطلاعات وحوارات ومذكرات غيرية لشخصيات وأعلام في المجتمع السوداني.
يتكون الكتاب من (704 صفحة) في طباعة جيدة لا تخلو من بعض الأخطاء الفنية.
التعريف بالمؤلف:
الأستاذ محمد الشيخ صحفي حاذق، وصفه أحد المقدمين لكتبه الأستاذ فضل الله محمد بأنه تجسيد حي لمدرسة في الكتابة الأدبية تمزج بين خصائص الاستقصاء الصحفي ولوازم البحث المعمق.
أجاد الأستاذ حسين كتابة صحفية نسميها كتابة الملامح (الفيتشر)، ووثق للزمن السوداني عبر كتابات سياسية ومقالات اجتماعية عن حياة الناس وعن نوع التفكير السائد في وقت من الأوقات، مع ما يبدو من صعوبة في احتواء الذاكرة السودانية بجهد فردي مهما أوتي هذا الفرد من جهد ونشاط، لذا كنت أوثر أن يكون عنوان الكتاب (من الذاكرة السودانية).
والأستاذ محمد الشيخ مع أنه قضى وقتاً طويلاً في العمل الصحفي داخل السودان وخارجه فإن أعماله غير منتشرة إنتشاراً يوازي قيمتها الفكرية وعطاء المؤلف الثقافي، ولعل السبب في ذلك أنه ظل كاتباً موضوعياً ومعتدلاً لم يورط نفسه في النقد الحزبي المباشر أو اجتراح الهجاء السياسي، وقد اتخذ لنفسه خطاباً يتفهم حجج ومنطق كل الأطراف وعدم التسرع في إطلاق الأحكام. وليته ألّف ووضع كلمات أغنية من الأغنيات ليصعد اسمه إلى سماء المشاهير.
مناقشة لبعض محتويات الكتاب:
الكتاب الجيد هو الذي يمنحك أفكاراً جديدة ويطلعك على حقائق وعلوم لم تكن مطلعاً عليها. وربما أن كتاب الذاكرة السودانية تميز بإعطائنا جرعات من الوعي الوطني بمداخل فنية حتى إن مقدماً لأحد كتب الذاكرة السودانية وهو دكتور الصديق عمر الصديق يقول: “إن سودانيتي كانت ناقصة قبل قراءة هذا السفر”.
وقيمة الكتاب من حيث أنه اعتنى بالتدوين مشيراً إلى هشاشة الشفاهة، إذ يضع لأول كتبه عنوان إشارة هو نحو عصر تدوين جديد واستهله بقصة عن حسن نجيلة اختبر هذه القضية في أقصوصة لطلبته في الفصل الدراسي.
من الواضح أن الشخصيات التي استضافها الكاتب أفضت إليه بما عندها من مكنون الذكريات والشجون، نقرأ للأستاذة رشيدة ابراهيم عبدالكريم وزيرة سابقة للشؤون الاجتماعية والزكاة وهي تقول: “كنت أستغرب للذين يندهشون عندما يعرفون أنني غير متزوجة، أما التفكير في الزواج فقد أصبح Too late وكمان هل تصبح الوزيرة عروسة؟!”.
ويكتب المؤلف بلسان شخص قضى نصف عمره في الجريمة والسجون، ويختم مقاله برجاء إلى رئيس الجمهورية بإسقاط ما تبقى له من عقوبة، ولا ندري إن كانت رئاسة الجمهورية استجابت لهذا النداء الصحفي. وهكذا يجعل الكاتب الشخص يفضي بما في نفسه بضمير المتكلم، وهذا أسلوب حميمي يجعل القارئ أكثر قرباً من شخصيات الكتاب.
ولا شك أن الكتاب جوّد معرفتنا بالكثير من الشخصيات مثل الزعيم إسماعيل الأزهري؛ فما كنت أعرف عنه اتجاهه الإسلامي الذي ظهر بقوة فيما يروى عنه: “إن القانون الوضعي دخل السودان بالشباك ويجب إخراجه بالباب”، وكان الزعيم الأزهري يرى بأن تطبيق الشريعة مسألة وقت، وظل يحث القانونيين على الإهتمام بالشريعة والمداومة على الاجتهاد في الإلمام بها.
وله موقف عندما أراد البعض في البرلمان الترخيص ببيع أنواع من الخمور للعامة فرد عليهم بقوله “عايزيني أنا ود الخلاوي والمتصوفة أبيح شرب الخمور؟”.
ومن المواقف المؤثرة عندما سرد الكاتب قصة عن عبدالوهاب ابراهيم الذي كان مديراً لجهاز الأمن في عهد نميري وتكفله بدفع إيجار منزل لزوجة معتقل من نثريات الجهاز، وهذا تعبير عن البعد الإنساني في الصراع السياسي بالسودان وفي ذلك قصص كثيرة يمكن أن تروى.
حدثني البروفيسور عون الشريف قاسم عندما سألته عن المعاملة الحسنة التي كنا نلقاها في سجون العهد المايوي فقال: إن الدولة كانت تنظر الى الشباب والطلاب المعتقلين بأنهم رصيد للوطن، ولا ينبغي التفريط فيه بل العمل على توجيههم وضمان مستقبلهم.
ويتساءل المرء أين ذهبت هذه السماحة السياسية في ظل الحرب المتوحشة والقسوة المتناهية التي نعايشها هذه الأيام.
ومضة تنموية:
في الحوار مع حاكم الإقليم الشمالي بروفيسور عبدالله أحمد عبدالله في سنة 1985 تحدث الحاكم بحسرة أن مشروع التنمية الوحيد في الإقليم متوقف. لم يكن هنالك طريق واحد مسفلت في الإقليم. وكان خزان الحامداب حلماً من الأحلام وكذلك محطة كريمة للكهرباء، وكان يوجد كبري واحد على نهر عطبرة وظل الانتقال بين الضفتين عبر البنطونات المتهالكة وغاية آمال حاكم الإقليم آنئذ تجديد هذه العبارات وصيانتها.
تاريخ ما أهمله التاريخ:
في كتاب (جعفر نميري لوحة لرئيس سوداني) يذكر الكاتب وصية أحمد عبدالحليم له بألا يتتبع كل ما يقال ويحكى عن نميري لأنه إن فعل ذلك سيكتب أساطير الأولين. ولا أعلم كاتباً تسنى له الاطلاع على ملف خدمة نميري العسكرية، ولا نعرف كيف تأتى له ذلك لما نعلم من حرص العسكريين على أسرارهم. ويذكر عن نميري أنه في صغره بود مدني كان يقود في بعض الأحيان حمير أهل الحي وينظفها في النيل، ويشير إلى القدرات الجسدية المتميزة التي آتاها الله للرؤساء ومن ذلك إشارته إلى أن نميري كان يستيقظ في الرابعة صباحاً وكان لا ينام طويلاً تكفيه ساعتان أو ثلاث وقد يبقى يومين أو ثلاثة دون نوم. وأضيف إلى هذا ما نقل عن عامل في القصر الجمهوري عن إسماعيل الأزهري كان يستغرب أن إسماعيل الأزهري قلما يذهب إلى الحمام.
ويطلعنا الكاتب على ملمح من شخصية الأستاذ علي شمو في كتاب بصمة شمو أن له صوتاً شجياً في الغناء حين يدوزن على الكبريتة، وذكر أنه كان واحداً من مجموعة سرية لحزب الاتحاد الديمقراطي لكنه مع ذلك لم يضع قدمه في أحزاب الاتحاد الديمقراطي ووصفه بأنه كان ناشطاً اتحاديا وناشطاً إسلامياً في آن معاً، ويبدو أن الطبيعة السودانية قد سمحت في وقت ما لأن يكون الشخص عضواً في الحركة الإسلامية أو في أنصار السنة المحمدية ثم يكون منتمياً في حزب الأمة أو الحزب الاتحادي كما يروى عن علي طالب الله أول مراقب للإخوان في السودان أو الشيخ محمد هاشم الهدية رئيس أنصار السنة الذي كان اتحادياً في الوقت نفسه.
فائدة لغوية:
يروي الكتاب قصة بدر الدين سليمان وزير الصناعة والتعدين عندما قدم للرئيس نميري مسودة الاتفاق مع شركة شيفرون، واشتمل النص على عبارة (اقتسام الإنتاج) التي اعترض عليها نميري لأنها قد تفيد تساوي الأنصبة بين المتقاسمين. لذا طلب الرئيس الاتصال بالدكتور عبدالله الطيب والطلب منه اختيار كلمة أنسب للدلالة على أنصبة غير متساوية فأجابهم عبدالله الطيب بأنه لا يرى في كلمة اقتسام معنى الأنصبة المتساوية ومع ذلك فهو يفضل كلمة قسمة فهي أبلغ للدلالة على الأنصبة غير المتساوية، وذكرهم بالآية: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى … الآية}.
فائدة لغوية أخرى عندما ناقش الكاتب ما تعلق بعنوان مذكرات دكتور منصور خالد وهو (شذرات من وهوامش على سيرة ذاتية) ولا يخفى ما في هذا العنوان من عجمة وما فيه من ضعف التأليف، فضلاً عن أن وضع (الشولة) في العناوين أمر غير معتاد.
خاتمة:
إن صدور المجموعة الأولى من الذاكرة السودانية في هذا الوقت وفي مدينة القاهرة ليدلنا على ما نلمسه من نشاط في الجبهة الثقافية على مستوى النشر ولا شك أن وجود المثقفين السودانيين في منافيهم خارج بلدهم في أعقاب حرب أبريل أتاح لهم فرصة الكتابة والنشر. وعلى الرغم من ثراء الحركة الثقافية فإننا نلحظ عدم ظهور أسماء كبيرة وعدم وجود اختراق للساحة الثقافية العربية بما يحقق الاعتراف للسودانيين على الوجه المطلوب وربما أن من أسباب هذا المشهد ضعف وسائل الإعلام السودانية وانشغالها بالجوانب العسكرية والسياسية.
وإننا لنتطلع إلى هيئات ومؤسسات مثل منظمة إسناد أن يكون لها إسهام في دعم هذه الحركة الثقافية وتسديدها وتشجيعها. والله ولي التوفيق والإعانة.
#المنتدى_الثقافي_لجمعية_إسناد
#الذاكرة_السودانية
#محمد_الشيخ_حسين



