الحوار السوداني.. اختبار النوايا قبل اختبار المواقف

يبدو أن ملف الحوار السوداني بدأ يعود إلى واجهة المشهد السياسي من جديد، وهذه المرة من بوابة مشاورات تجري بعيداً عن الأضواء تمهيداً لعقد مؤتمر حوار من داخل البلاد. وفي تقديري فإن مجرد التفكير في جمع السودانيين حول طاولة واحدة يمثل خطوة مطلوبة، لأن استمرار الأزمة بهذه الصورة لا يمكن أن يكون هو الخيار الوحيد، لكن نجاح أي حوار لن يتوقف على موعد انعقاده ولا على عدد القوى المشاركة فيه، وإنما على القاعدة التي سيُبنى عليها والهدف الذي يسعى إلى تحقيقه.
السودان لا يحتاج إلى حوار جديد لتقاسم السلطة بين النخب السياسية، فقد جرب السودانيون هذا النوع من الحوارات كثيراً، وكانت النتيجة في الغالب إعادة إنتاج الأزمة بأسماء مختلفة. المطلوب هذه المرة حوار ينطلق من سؤال الدولة أولاً، ومن حق المواطن في الأمن والاستقرار والخدمات والعيش الكريم، ثم تأتي بعد ذلك مسألة السلطة وترتيباتها. فإذا انعكس ترتيب الأولويات وأصبح الهدف هو البحث عن مخرج سياسي للنخب قبل البحث عن مخرج وطني للأزمة، فإن المؤتمر لن يكون أكثر من محطة أخرى في طريق طويل من التسويات المؤجلة.
ومن المهم كذلك أن تكون المشاركة في الحوار واضحة المعايير منذ البداية، لأن الإقصاء غير المبرر لا يصنع سلاماً، كما أن الشمول المطلق لا يعني إسقاط القانون أو منح الحصانة لمن ارتكب جريمة. هناك فارق كبير بين الخلاف السياسي وبين الجرائم التي يجب أن تأخذ مسارها القانوني، وبين المعارضة السياسية وبين حمل السلاح، وهذه الحدود ينبغي أن تكون واضحة حتى لا يتحول الحوار إلى وسيلة لتجاوز العدالة أو إلى أداة لإقصاء الخصوم.
أما الحديث عن معالجة البلاغات الجنائية بحق بعض السياسيين الراغبين في العودة إلى البلاد، فيجب أن يخضع للقانون وحده، لا للتفاوض السياسي. فالعدالة التي تتغير وفقاً لموازين السياسة تفقد ثقة الناس، والدولة التي تريد تأسيس مرحلة جديدة عليها أن تؤكد أن باب المشاركة السياسية مفتوح، لكن باب المساءلة كذلك مفتوح أمام الجميع.
وفي الجانب الآخر، فإن الدعوة إلى حوار شامل لا تعني أن يصبح المؤتمر ساحة لإعادة إنتاج القوى التي قادت البلاد إلى أزماتها السابقة، ولا أن يكون مجرد محاولة لمنح شرعية سياسية لأطراف بعينها. المطلوب أن تكون هناك لجنة تحضيرية مستقلة فعلاً، لا لجنة تحمل في تكوينها نتائج المؤتمر قبل انعقاده، وأن تكون معايير المشاركة معلنة، والأجندة واضحة، والمخرجات ملزمة أخلاقياً وسياسياً لمن يوقع عليها.
وأعتقد أن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه أي حوار قادم هو النظر إلى القوى السياسية باعتبارها وحدها صاحبة الحق في تحديد مستقبل السودان. فالمجتمع السوداني أوسع من الأحزاب والحركات، وهناك قطاعات مهنية ومجتمعية وشبابية وأهلية وقوى اجتماعية دفعت ثمن الحرب ولا يجوز أن تكون مجرد جمهور يتلقى نتائج ما تقرره النخب. الحوار الحقيقي هو الذي يعيد السياسة إلى المجتمع، لا الذي يعيد المجتمع إلى هامش السياسة.
وفي تقديري أيضاً، فإن الخلاف بين القوى المؤيدة للجيش والقوى المدنية يجب ألا يتحول إلى معركة جديدة حول من يمتلك السودان. الجيش مؤسسة وطنية لها دورها في حماية الدولة، والسياسيون لهم دورهم في إدارة الشأن العام، ولا يمكن بناء دولة مستقرة إذا حاول طرف أن يحل محل الطرف الآخر. كما أن الانتصار العسكري، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن التسوية السياسية التي تؤسس لدولة مؤسسات، وفي المقابل فإن العمل السياسي لا يمكن أن يقوم على تجاهل تضحيات القوات التي تحملت مسؤولية القتال والدفاع عن الدولة.
السودان الآن أمام فرصة حقيقية إذا أحسن القائمون على الحوار التعامل معها، لكن الفرصة يمكن أن تضيع إذا بدأ المؤتمر من حسابات الماضي بدلاً من احتياجات المستقبل. المطلوب ليس مؤتمراً تبحث فيه القوى السياسية عن مواقعها، وإنما مسار وطني يعيد بناء الثقة ويضع أساساً لدولة لا تقوم على المحاصصة ولا على الإقصاء ولا على القوة وحدها.
ولذلك فإن نجاح الحوار لن يقاس بعدد الأحزاب التي حضرت، ولا بعدد البيانات التي صدرت بعد الجلسة الختامية، وإنما بما إذا كان قادراً على إنتاج اتفاق سوداني حول شكل الدولة ومستقبلها وعلاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية وضمانات العدالة والحريات، وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية، ثم الوصول إلى نظام سياسي مستقر يختاره السودانيون بإرادتهم.
السودان لا يحتاج إلى حوار من أجل الحوار، ولا إلى تسوية تعيد تدوير الأزمة، وإنما يحتاج إلى حوار شجاع يعترف بأخطاء الجميع ويضع مصلحة الدولة فوق مصلحة القوى المتصارعة. وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لفتح هذه الصفحة، فلتكن البداية من الداخل، ولتكن القاعدة هي السودان أولاً، ولتكن المشاركة على أساس المسؤولية لا الولاء، ولتكن العدالة حاضرة لا غائبة، ولتكن النتيجة دولة تستوعب اختلاف السودانيين بدلاً من أن تجعل اختلافهم سبباً دائماً لانهيارها.
ذلك هو الاختبار الحقيقي للحوار القادم: هل سيكون طريقاً إلى دولة سودانية جديدة، أم مجرد محطة أخرى في رحلة البحث عن السلطة؟



