محاسن عثمان نصر تكتب في ملامح.. الجزيرة تتعافى.. لكن المريض لا ينتظر

استعادت ولاية الجزيرة خلال وقت وجيز جانباً مهماً من نظامها الصحي، بعد دمار أصاب المرافق وأوقف خدمات كانت تمثل شريان حياة لملايين المواطنين. عادت المستشفيات إلى العمل، واستأنفت المراكز الصحية نشاطها، كما عاد القطاع الخاص إلى المشهد جنباً إلى جنب مع القطاع الحكومي، لتبدأ الولاية رحلة استعادة واحدة من أكثر مؤسساتها التصاقاً بحياة الناس.
وقبل يومين، أسعدنا استقبال المستشفى العسكري بود مدني جهاز الرنين المغناطيسي، بما يتيح توفير الخدمة داخل الولاية ويخفف عن المواطنين عناء السفر إلى الولايات المجاورة بحثاً عن تشخيص لم يعد يحتمل الانتظار.
وسط هذا المشهد، لا يمكن إنكار حجم الجهد المبذول، ولا التقليل من صعوبة الطريق الذي قطعته المؤسسات الصحية لاستعادة الخدمة في ظروف استثنائية.
لكن التعافي الصحي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد المرافق التي فتحت أبوابها، أو بعدد الأجهزة التي عادت إلى الخدمة. المعيار الأصدق هو ما يجده المواطن عندما يدخل المستشفى، وما يشعر به المريض عندما يضع جسده تحت رحمة جهاز طبي، ومدى قدرة الخدمة على الاستمرار عندما تواجه أول اختبار حقيقي.
هنا تفرض قصة مرضى غسيل الكلى نفسها بقوة.
مريض الفشل الكلوي لا يملك مساحة واسعة للمناورة؛ فجلسة الغسيل مرتبطة بحياته، وأي اضطراب في الخدمة يتحول سريعاً إلى مصدر قلق للمريض وأسرته.
وبحسب إفادة مريض تربطني به صلة قرابة ويتلقى العلاج بمستشفى الجزيرة لأمراض وجراحة الكلى بود مدني، فقد حدث انقطاع للتيار الكهربائي أثناء إجراءات مرتبطة بجلسة الغسيل، واضطر العاملون والمرضى، في ظروف صعبة، إلى الاستعانة بإضاءة الهواتف المحمولة.
قد تبدو الواقعة، في ظاهرها، مجرد انقطاع كهربائي. لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث داخل المستشفى عندما تنقطع الكهرباء؟
فالانقطاع قد يحدث، خصوصاً في الظروف التي تمر بها البلاد، لكن المستشفى ليس منزلاً يمكنه انتظار عودة التيار. المرفق الصحي يفترض أن يمتلك منظومات طاقة بديلة، ومولدات للطوارئ، وخطط تشغيل واضحة، واحتياطيات من الوقود، وترتيبات تضمن استمرار الخدمة عند توقف المصدر الأساسي للطاقة.
وفي خدمات غسيل الكلى تحديداً، لا تصبح هذه الإجراءات مجرد تفاصيل فنية، وإنما جزءاً أصيلاً من منظومة سلامة المريض.
والأكثر إثارة للقلق ما يرد في إفادة المريض بشأن تحمل ذوي المرضى تكلفة الوقود لضمان استمرار جلسات الغسيل. إن صحت هذه الإفادة، فهي تستحق مراجعة صريحة وشفافة؛ لأن القضية هنا لا تتعلق بالكهرباء وحدها، بل بكيفية إدارة الخدمة، ومن يتحمل تكلفتها التشغيلية.
المريض يأتي إلى المستشفى لأنه يحتاج إلى العلاج، لا لأنه قادر على تمويل البنية التشغيلية للمرفق.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على ما تحقق من تعافٍ لا تقل أهمية عن مسؤولية إعادة الخدمة نفسها. وعلى حكومة الولاية ووزارة الصحة، بشقيها الاتحادي والولائي، مراجعة مواطن الخلل ومعالجتها قبل أن تتحول المشكلات التشغيلية إلى أزمات تمس حياة المرضى.
فالمرحلة المقبلة ينبغي ألا تكتفي بإعادة فتح الأبواب، بل أن تنتقل إلى ضمان استمرارية الخدمة وجودتها؛ عبر تعزيز منظومات الطاقة الشمسية، وضمان جاهزية المولدات وصيانتها، وتوفير الوقود بصورة منتظمة، ووضع خطط طوارئ واضحة، بما يضمن حصول المريض على الخدمة في بيئة تحفظ سلامته وكرامته وتطمئن أسرته.
والنقد، في هذه المرحلة، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره خصماً من جهود الولاية أو العاملين في القطاع الصحي. النقد المسؤول هو إحدى أدوات حماية ما تحقق؛ فالمنظومة التي تقبل الملاحظة تستطيع أن تصحح مسارها، والمؤسسة التي تستمع إلى المريض تستطيع اكتشاف الخلل قبل أن يتسع.
ملمح مختلف
وفي توقيت تتقاطع فيه أزمات الصحة مع ضغوط المعيشة، تستقبل الجزيرة اتحاد الصحفيين السودانيين. وهي فرصة ينبغي ألا تنتهي عند حدود اللقاءات والبروتوكول، بل أن تتحول إلى شراكة عملية تفتح المجال أمام خدمات نوعية للصحفيين وأسرهم، خصوصاً في المجال الصحي، في ظل ارتفاع تكاليف العلاج والمعيشة والتنقل.
فالصحفي الذي ينقل صوت المواطن هو، في النهاية، مواطن أيضاً؛ يحمل الهموم ذاتها ويواجه الظروف نفسها.
وإذا كانت الجزيرة تعيد بناء مؤسساتها، فإن بناء شراكة حقيقية مع الصحفيين يمكن أن يكون جزءاً من هذا التعافي؛ شراكة تحفظ للصحفي كرامته، وتدعم قدرته على أداء رسالته، وتفتح أمامه أبواباً لخدمات صحية أكثر أمناً واستقراراً.


