أعمدة

عزيزة المعراج تكتب في كلام ترابلة.. ذهبٌ يتدلّى على الأشجار

​حَرَمَتْني «الْبُرْداءُ» (حمّى الملاريا) من شرف الحضور والشهود لورشةٍ كانت قطوفها دانية، وثمارها حالية، تُبهِر الألباب (كزَفّةِ ألوانٍ وزحمة نضرة). ورشةٌ أمَّها الغُرُّ الميامينُ من أساتذتي وأجِلّائي، أولئك الذين ينحني لهم الاحترام بذاته في خشوعٍ وفرطِ احتشام. ورأيتُ وجوهَهم النيّرة، وحضورَهم البهيّ يتألّق عبر الشاشات والوسائط، فتملّكني الشوقُ وتسلّل إلى فؤادي إحساسٌ بالوحشةِ لغيابي عن جميل أُنسِهم وثرِيّ حديثِهم.

​لقد نظمت كلية العلوم الزراعية بجامعة الجزيرة ورشة عمل بعنوان «إنتاج المانجو السودانية: التحديات والحلول»، بالتزامن مع معرض المانجو الأول، وبرعاية البروفيسور صلاح الدين محمد العربي، مدير الجامعة، وبحضور الدكتور التجاني النور بشير، مدير الجامعة بالإنابة، والدكتورة عرفة محمود، وزيرة الإنتاج والموارد الاقتصادية بولاية الجزيرة، والدكتور السري محمد الشيخ، عميد الكلية، إلى جانب نخبة من العلماء والباحثين والمنتجين، في تظاهرة علمية تعكس أهمية تكامل الجهود للنهوض بهذا القطاع الاستراتيجي.

​ولم يكن هذا المحفل مجرد نشاط أكاديمي روتيني؛ بل كان وقفة شجاعة لتشخيص واقع بستاني زاخر بالإمكانات والفرص الهدر، وميلاداً لرؤية علمية تستهدف نقل المانجو السودانية من العشوائية إلى العالمية. فالبلاد تمتلك ميزات نسبية وهبها إياها المناخ والتربة، تجعلها قادرة على إنتاج فاكهة ذات نكهة وجودة لا تُضاهى، إلا أن هذا الذهب الأخضر يتعثر عند بوابات التصدير والتصنيع المحلي نتيجة عوائق هيكلية وفنية متراكمة.

​خلال مداولات الورشة، وضع الباحثون والخبراء أيديهم على الجراح الثخينة التي تكبّل هذا القطاع الحيوي، والتي تلخّصت في محاور رئيسية:

​التحديات البستانية والوقائية: تبرز آفة «ذبابة الفاكهة» كمهدد أول يفتك بالمحصول ويمنع نفاذه إلى الأسواق العالمية القائمة على اشتراطات حجرية صارمة، يرافقها انتشار لأمراض الفطريات وضعف تطبيق حزم «المكافحة المتكاملة» (IPM).

​سلاسل الإمداد وما بعد الحصاد: يعاني القطاع من معدلات فقد هائلة تُعزى إلى أساليب الجني التقليدية، وغياب البنية التحتية لسلاسل التبريد، وسوء عمليات التعبئة والتغليف، مما يفقد الفاكهة قيمتها التسويقية قبل وصولها إلى منافذ البيع.

​الأصناف والتسويق: ما زالت السيطرة للأصناف المحلية التي قد تفتقر لمواصفات الشحن والتخزين الطويل، مقابل محدودية انتشار الأصناف التجارية المطلوبة عالمياً، فضلاً عن ضعف معايير الجودة والإعداد للصادر.

​أفرزت أوراق العمل العلمية التي قدمها نخبة من أساطين البحث الزراعي—من أمثال البروفيسور عثمان مقبول والبروفيسور نبيل حامد وخبراء البساتين والإرشاد والوقاية والتصنيع—استراتيجية شجاعة تعتمد على ثلاثية لا تتجزأ لإنقاذ المحصول.

​تستند الأولى إلى ثورة في الحماية والجودة؛ إذ لا مناص من دك حصون الآفات بتبنّي برامج مكافحة متكاملة لذبابة الفاكهة، وتطبيق صارم للممارسات الزراعية السليمة (GAP)، وهو الشفرة الوحيدة الكفيلة بكسر قيود الحجر الزراعي الدولي وفتح أسواق أوروبا والخليج أمام المنتج السوداني.

​وتأتي الثانية لتضع التصنيع والقيمة المضافة في قلب المعركة؛ عبر التحول الجذري من تصدير «الخام» الرخيص إلى بناء قاعدة صناعية تحويلية تعتمد على المركزات والتجفيف والتجميد، مما يضمن امتصاص الفائض الموسمي الحاد، ويقضي على ظاهرة هبوط الأسعار، ويخلق ألف فرصة عمل جديدة.

​أما الثالثة، فتتجلى في صياغة تحالف استراتيجي يجمع العقل الأكاديمي بجامعة الجزيرة وهيئة البحوث، ببدن القطاع الخاص ورأس المال، تحت مظلة إرشادية تنقل التقانات من أروقة المختبرات إلى أيدي المزارعين في الحقول (وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية).

​إن تحويل المانجو السودانية من فاكهة موسمية تعاني الهدر إلى صناعة استراتيجية تُدر الملايين، ليس حلمًا بعيد المنال، بل قراراً يمتلك المزارع والباحث والمرشد الزراعي والمستثمر مفاتيحه اليوم قبل الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى