مقالات

(براي براي براي) تاور .. والغناء الطاعم

د. خالد البلولة

 

خالد البلولة

 

(١)

 

(المطرب) محمود تاور فنان مختلف، وغناه طاعم .. ويمتلك ناصية التطريب والأداء الصوتي، والتكنيك الموسيقي، وأحياناً بزواج بينهما… فيجعلك في حالة لا يعلم بها إلا الله ..

 

هناك جمهور يستمع لتاور ويستمتع بهذه المزاوجة الصوتية والموسيقية وتداخلاتها، لكن (انا) شخصياً يعجبني أسلوبه الأدائي وتكراره لبعض المفردات: (براي براي براي براي)، قبل أن ينهي المقطع، ويبدأ بصوت مرتفع ثم ينخفض تدريجياً حتى يختفي تماما، وتتداخل الالات الموسيقى في العزف وتستمر.

 

يا الله… عجيب هذا البلبل الغريد.

 

(٢)

 

تبدو النصوص التي يختارها تاور عادية وموغلة في العامية السودانية، وأقرب منها (للونسة) الشعرية الموزونة، لكن ببراعته الفائقة وموهبته المتجلية يجعلها سهلاً ممتنعاً، ويعز على غيره أن يتفرد بها (في رأيي الشخصي)، ويظهر ذلك في أغنية (الشمس غابت) التي كتبها الشاعر جلال حمدون:

 

الشمس غابت

وينو القمر طيب

(عين العدو صابت

نسيتني يا حبيب)

وريني بس في شنو

نساك مواعيدنا

ميعادنا حددناه

وكتبنا بي إيدنا..

 

إذا تأمل المستمع عبارة (حبيب)، فهي مفردة شعبية يستخدمها أهلنا في الريف، وهناك بعض الأسماء مثل (ود الحبيبيب)، أظنها تصغيراً لحبيب، سودانية خالصة وفيها مودة صادقة وحميمية عالية وإلفة عجيبة:-

 

يوم الخميس الفات

كان يومنا نتلاقا

قلت بتجي واصلاً

ماك ناوي في الجية

وأنا في انتظار عينيك

لما الشمس حية

 

كنت أسمع تعبير (الشمس حية) عند أمي رحمة الله تغشاها، كانت تقول: امشوا (والشمس حية)، وتقصد قبل أن تغيب ويحل الظلام.

 

الشاعر وظف بعض العبارات السودانية الخالصة في نصوصه .. فتشعر كانه يتحدث اليك شخصيا:-

 

حبك بحر مالح

لا بر ولا حدوت

 

يصف الشاعر حب الحبيب بالبحر المالح قمة (الجهجهة)، لا رويان ولا عطشان، كأنما استعار بيت الشاعر إدريس جماع:

 

أنت السماء بدأت لنا

واستعصمت بالبعد عنا.

 

ولسان حاله: شن أسوي معاك؟

 

الحدوت مقيلس يستخدمه السباح لتحديد (عمق) المكان الذي يقف عليه الشخص في البحر أو النهر لمعرفة المكان عميق أم لا، كنا يستخدمها الصبيان وهم صغار كنوع من تحدي السباحة فيما بينهم: (كان عوام اعمل حدوت).

 

(٣)

 

كتب الشاعر العابد عثمان جعفر، وهو شاعر مقل، لمحمود تاور أغنية:

 

لما شفتك…

شفت ناسنا

والنخيل التمرو شال

برضو شفته

شفتك إنت الملاك

القدرو عالي

 

يقول الشاعر والمخرج التلفزيوني محمد علي مخاوي عن تجربة الفنان محمود تاور، وهو من ذات البيئة الكردفانية التي أنجبت محمود تاور وعبد القادر سالم وعبد الرحمن عبد الله:

 

(واحدة من أغنياته التي ألوذ إليها في كل حين أغنية (لما شفتك)، وأعتبرها من جياد الأغنيات في المكتبة السودانية، فقد أبرزت محمود تاور واحداً من الأصوات التي يطلق عليها إسماعيل عبد المعين (الصيتيين)، فهو صوت عامر بالشجن والجمال، وقد أهله ذلك ليكون فنان الشباب الأول في أواخر السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، ولكن هجرته الي الخليج، خصمت كثيراً من حجزه مكاناً متقدماً في مسيرة الأغنية السودانية، ولكنه يظل صوتاً مميزاً، وله أغنيات استطاعت لفت أجيال من الشباب جاءت بعده، وأظنه من قلة من المغنين الذين ينتبهون إلى معاني الكلمات، فيضغط عليها لتعميق أو تبيان أهمية الحالة الشعورية».

 

(٤)

 

ارتبطت التجربة اللحنية للفنان محمود تاور بالأستاذ الملحن محمد آدم المنصوري، أستاذ الموسيقى، وأهداه عدداً من ألحانه الجميلة: (لما شفتك)، ومن كلمات عمر محمود خالد: تغنى باغنية (منو القال ليك غير عينيك بقدر أعيش)، ومن كلمات الشاعر عبد الله شرفي: تغنى باغنية الوحيدة (الوحيدة وهي البريدا.. مالية قلبي حنان وريدة) تغنى من كلمات التجاني حاج موسى بأغنية (السماح لو جراح الغدر مُرّة)، مجموعة من الألحان الرائعة أهداها المنصوري لمحمود تاور وأجازتها لجان النصوص بالإذاعة.

 

وتغنى أيضاً للشاعرة ليلى المغربي (حياتي حلوة):

 

حياتي حلوة

والزمان أهداني ريدة

صدق القال ودّع أساك

وانسا النساك

ماليك أمان

اسأل نفسك أنا

في يوم ألقى الهنا

 

بالإضافة إلى تجاربه الشعرية واللحنية الخاصة به، منها (يمة الشوق غلب) وأغنية (ارجع تعال).

 

يقول الشاعر التجاني حاج موسى: تناول تاور نصوصاً شعرية سهلة وبسيطة تعبر عن أحداث واقعية في المجتمع، مثل (يا قمرية)، فالأغنية كانت تحكي قصة فتاة بسيطة محبة، تم سجن حبيبها بأحد سجون كردفان: «الزول التحت الزنكي مسجون بدون جنية»، جاء بها من كردفان الحبيبة، وهي من تراث المنطقة:

 

طيري يا قمرية

وركي فوق الزنكي

واتصنتي القضية

الزول التحت الزنكي

ساجننو دون قضي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى