عزيزة المعراج تكتب.. العودة المهيبة

لم يكن عودة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مظفرا إلى القصر الجمهوري مجرد حدث عابر في مفكرة حرب الكرامة ، بل كانت إعلاناً مجيداً لاستعادة الدولة أبهى رموز سيادتها.
ارتفع النشيد الوطنيُّ حادياً للسموات ومعه ارتفعت قلوبنا ، واهتزت الأرجاء بعزف السلام الجمهوري واهتزت مشاعرنا ، و وقف الحرس الرئاسي شامخاً في مواقعه مشهدٌ صبغ الخرطوم بملامح الأصالة والشموخ، وأعاد للبقعة حضورها التاريخي والرسمي المهيب ، ليُعلن للعالم أجمع أن قلب السودان قد عاد ليخفق باعتزاز.
واليوم، في هذه الجمعة المباركة في الرابع عشر من أغسطس، تشرق شمس العيد الثاني والسبعين لقواتنا المسلحة الباسلة، متوجة بعبق الانتصارات الباسلة . لم تكن هذه المناسبة الباذخة مجرد ذكرى عابرة، بل جاءت تتويجاً لصورة الخرطوم التي روادت خيالنا حلم بعيد : القصر يتلألأ بالمهابة والنصر ، ورأسُ الدولة يعود مظفرا ، وراية السيادةِ ترفرف عالية خفاقة .
وسقطت رهانات المخذلين .. تلاشى اليومَ غبار التشكيك، وسطع نور العزة وتبددت الأوهام التي راهنت على إضعاف القوات المسلحة أو إقصاء الدولة عن عرشها التاريخي. أولئك الذين توهموا أنها ستظل حكومة بورتسودان خاب فألهم لقد استيقظوا على حقيقة ناصعة تقف بجسارة في قلب الخرطوم.
هذه الحرب لم تكن يوماً نزاعاً على جغرافيا أو مبانٍ، بل كانت صراعاً على ثبات الدولة، وهيبة مؤسساتها، وقدرتها على صون أرضها. وما كان لعودة القيادة إلى صرح السيادة أن تتم لولا تلك الملاحم الجسورة التي خاضها فرساننا البواسل خلف هذا المشهد الباهي نستذكر دماءٌ زكيةٌ أُريقت فداءً للتراب، وصفوفٌ من الشهداء الأبرار الذين كتبوا بدمائهم وثيقة الخلود، لتظل الخرطوم حرةً أبية، ولتبقى راية السودان تخفق في العلياء.
كان للحرس الرئاسي في هذه الملحمة سيرة الشرف والبطولة حين اصطفت الكتائب، وانتصبت القامات، وتصاعد أثير السلام الوطني، كانت أرواح الشهداء حاضرةً تطوف بالمكان. لم يغب أولئك الذين قضوا نحبهم دفاعاً عن الثغور
فالشهداء وإن غابوا بأجسادهم، فإن الدولة التي افتدوها قد عادت لتنتصب شامخة، والراية التي بذلوا الأرواح لأجلها ما زالت تحلق في السماء، وذلك أسمى وفاءٍ لدمائهم الطاهرة.
ولم تقف مكاسبُ استعادة المركز عند حدود الداخل، بل امتدت لتصنع أفقاً دبلوماسياً مشرقاً. فقد جاء اعتماد أوراق سفير المملكة العربية السعودية في هذا التوقيت الفارق ليعزز أركان الحضور السوداني عربياً وإقليمياً.
ومن هنا، فإن عودة النشاط الدبلوماسي من قلب الخرطوم تحمل رسالةً ساطعة: السودان قد عاد…. عاد إلى محيطه العربي والإفريقي من موقع الدولة القوية والفاعلة، لا من موقع الأزمة.
ورغم المحاولات اليائسة لإرباك المشهد عبر تحركاتٍ هامشية خائبة، إلا أنها تلاشت أمام سطوع الحقيقة الكبرى: القصرُ معمور، والقيادة حاضرة، والجيشُ يحتفل بين أهله، والعلمُ يرفرف بحرية.
لقد انطوت صفحةُ التحدي المصيري، وحُسم سؤال البقاء لصالح الدولة ومؤسساتها. غير أن عظمة الانتصارات العسكرية تتطلب اليوم الانطلاق نحو أفق أرحب وأعظم:
• إعمار ما دمرته يد الغدر.
• إنعاش الاقتصاد وتوفير الخدمات لجميع المواطنين.
• تأمين العودة الكريمة للنازحين واللاجئين إلى ديارهم.
• ترسيخ دولة المؤسسات والقانون لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي.
إن استعادة هيبة القصر هي نقطة الانطلاق لبناء سودانٍ حديثٍ وقوي، يستمد من تضحيات أبنائه قوةً ومنعة، ليغدو حصناً منيعاً تستعصي قلاعه على كل بَندقيةٍ مَارِقَة.


