مقالات

الحقيقة كما ينطقها القائد… لا كما يشتهيها المتربصون

 

كتبت: محاسن عثمان نصر

في خضم الحرب، تتعدد الروايات وتتداخل الوقائع مع التفسيرات، ويصبح الوصول إلى الصورة الكاملة أمرًا يحتاج إلى هدوء وتدقيق. لذلك أرى أن حديث القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في حضرة الصحفيين و الإعلاميين مؤخرا” يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الانفعال والمواقف المسبقة، وأن تُناقش مضامينه في سياق الأحداث التي سبقت الحرب وتداعياتها.

تتباين المواقف بين مختلف أبناء السودان ولكن يبقى الأنحياز إلى الجيش باعتباره المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، و الوقوف إلى جانبه في هذه المرحلة هو وقوف إلى جانب مؤسسات الدولة وسيادتها ووحدتها. وهذا الموقف لا يعني أن كل أداء بشري فوق النقد، لكنه يعني أن حماية المؤسسة الوطنية من التفكيك تظل أولوية في ظل حرب تستهدف الدولة ومقدراتها.

وليس غريبًا أن يجد الجيش هذا الالتفاف الشعبي؛ فقد وقف إلى جانبه كثير من السودانيين، لا بحثًا عن الحرب، وإنما دفاعًا عن فكرة ورفضًا لتعدد مراكز القوة. وفي لحظات الخطر، يصبح وجود مؤسسة وطنية واحدة تحمل السلاح وتحمي البلاد مسألة تتجاوز الخلافات السياسية والمواقف الحزبية.

من هنا تبدو قضية وجود قوتين مسلحتين داخل دولة واحدة من أهم جذور الأزمة. فقد ظلت العلاقة بين القوات المسلحة والدعم السريع، وقضية الدمج وتوقيته، موضوعًا مفتوحًا للنقاش قبل الحرب. وما أثبتته الأحداث أن تأجيل الحسم في القضايا المصيرية لا يلغيها، بل قد يجعل ثمنها أكبر.

والأمر ذاته ينطبق على الحديث عن التدخلات الخارجية والتمويل والسلاح والذهب وحركة الأموال. فهذه ليست تفاصيل بعيدة عن حياة السودانيين؛ آثارها وصلت إلى الاقتصاد والمعيشة والأمن، وأصبح من حق المواطن أن يعرف من أسهم في إطالة أمد الحرب، ومن استفاد من استمرارها.

وفي النهاية، ظل المواطن هو الخاسر الأكبر؛ نزوحًا وفقدًا وتشردًا وضيقًا في المعيشة. ولذلك فإن أي تسوية قادمة يجب ألا تكتفي بإيقاف إطلاق النار، وإنما تعالج جذور الأزمة وتضع أساسًا واضحًا لدولة واحدة، ومؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وسلطة سياسية تستند إلى التوافق والقانون.

وهنا يبرز الحوار المجتمعي ضرورة لا ترفًا. فالسودان لا يمكن أن يُعاد بناؤه عبر تفاهمات النخب وحدها. نحتاج إلى حوار يشارك فيه المجتمع بمختلف مكوناته، وتُسمع فيه أصوات النازحين والشباب والنساء والقيادات الأهلية والمجتمعات المحلية، للوصول إلى توافق حول القضايا الكبرى: وحدة البلاد، وسيادة الدولة، ورفض العنف، واحترام التنوع، ومستقبل الحكم.

لقد دفعت البلاد ثمنًا باهظًا، الآن نريد سلامًا يحفظ الدولة، ويصون وحدتها، ويعيد للناس أمنهم وكرامتهم، ويمنح السودانيين فرصة للجلوس معًا والنظر إلى المستقبل بدل البقاء أسرى لخلافات الماضي، والاهم نبذ بزور الفرقة والشتات ومحاربة الاطماع الخارجية التي ظلت لعقود تستثمر في خلافات النخب السودانية

قد يختلف السياسين، لكن ينبغي ألا يختلفوا حول وطن واحد، ودولة واحدة، وجيش وطني واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى