الشهادة السودانية 2026 بالأرقام.. تفاوت لافت بين المسارات والمراكز

أعلنت وزارة التربية والتعليم السودانية نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية للعام 2026، بنسبة نجاح بلغت 69.6%، في نتيجة تأتي هذا العام وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على العملية التعليمية ومؤسسات الدولة.

وبحسب البيانات المعلنة، جلس للامتحانات 570 ألفاً و273 طالباً وطالبة، نجح منهم 388 ألفاً و738 طالباً وطالبة.
لكن قراءة النتيجة لا تتوقف عند النسبة العامة؛ فالتفاصيل تكشف تفاوتاً ملحوظاً بين المسارات التعليمية، وبين الامتحانات التي أُجريت داخل السودان وتلك التي انعقدت في المراكز الخارجية، فضلاً عن وجود أرقام تحتاج إلى مزيد من التدقيق والتوضيح.
69.6%.. ماذا تخبرنا النسبة العامة؟
تعني نسبة النجاح المعلنة أن نحو سبعة من كل عشرة طلاب جلسوا للامتحانات تمكنوا من اجتيازها.
غير أن هذه النسبة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتقييم مستوى الطلاب أو مقارنة أداء هذا العام بالأعوام السابقة، ما لم تتوافر بيانات متكاملة حول نسب النجاح السابقة، وتوزيع الدرجات، ومتوسطات المواد، ونسب الرسوب بحسب المسارات والولايات.
لذلك، فإن الرقم الأبرز في نتيجة 2026 هو في الوقت نفسه مؤشر على حجم النجاح ومؤشر يحتاج إلى سياق أكبر لفهمه.
المسارات المتخصصة تسجل نسباً أعلى
عند الانتقال من النسبة العامة إلى المسارات المختلفة، تظهر فجوة واضحة.
فقد بلغت نسبة النجاح في الشهادة الحرفية 90.3%، متجاوزة النسبة العامة بنحو 20.7 نقطة مئوية.
وبحسب البيانات المعلنة، بلغ عدد مراكز الشهادة الحرفية 89 مركزاً، فيما بلغ عدد المسجلين 5,424 طالباً وطالبة، وحقق الطالب إقبال حسن هارون من ولاية النيل الأبيض المركز الأول بمجموع 462 درجة.
أما شهادة القرآن الكريم، فقد سجلت هي الأخرى نسبة نجاح مرتفعة؛ إذ بلغ عدد الجالسين 2,202 طالب وطالبة، نجح منهم 1,970، بما يعادل نحو 89.5%.
وحقق مهاب صلاح الدين من مدرسة الإمام المسلم بالخرطوم المركز الأول بنسبة 93.6%، يليه صلاح الدين مكرم بنسبة 93.1%.
وتشير هذه الفروق إلى أن التعامل مع النتيجة باعتبارها رقماً واحداً قد يخفي اختلافات كبيرة بين المسارات، خاصة أن أعداد الطلاب وطبيعة الاختبارات تختلف من مسار إلى آخر.
خارج السودان.. فارق محدود عن النسبة العامة
في المراكز الخارجية، جلس للامتحانات 55,104 طلاب وطالبات، موزعين على 84 مركزاً، وبلغ عدد الناجحين 37,435، بنسبة نجاح معلنة بلغت 68.9%.
وبذلك تقل النسبة الخارجية عن المعدل العام البالغ 69.6% بنحو 0.7 نقطة مئوية فقط.
هذه النتيجة تعني أن أداء الطلاب في المراكز الخارجية، وفق الأرقام المعلنة، كان قريباً جداً من المستوى العام، رغم اختلاف الظروف التعليمية والجغرافية بين الدول التي استضافت مراكز الامتحانات.
لكن التفاصيل تكشف تفاوتاً أكبر؛ فقد بلغت نسبة النجاح في موريتانيا 100%، بينما جلس أربعة طلاب فقط للامتحان في باكستان ولم ينجح أي منهم.
ومن الناحية الإحصائية، يصعب وضع النتيجتين في مستوى واحد من المقارنة، لأن الفارق الكبير في حجم العينة يجعل نسبة النجاح في مجموعة من أربعة طلاب أقل دلالة من نتيجة آلاف الطلاب.
طالبة من القاهرة في صدارة النتيجة
من أبرز مؤشرات نتيجة هذا العام تصدر الطالبة تقى النور محمد النور قائمة المتفوقين بنسبة 97.7%، وهي من مدرسة الصداقة بالقاهرة.
وجاءت إسراء سعيد من كسلا في المركز الثاني بنسبة 97.6%.
وتقدم طالبة من مركز خارج السودان قائمة الأوائل يعكس جانباً مهماً من المشهد التعليمي السوداني خلال السنوات الأخيرة، حيث اضطر عدد كبير من الطلاب إلى مواصلة تعليمهم خارج البلاد نتيجة الظروف التي شهدها السودان.
لكن وجود طالبة في المركز الأول من الخارج لا يعني بالضرورة أن التعليم خارج السودان أفضل أو أن التعليم داخل السودان أقل مستوى؛ فالحكم على ذلك يحتاج إلى بيانات أوسع تشمل أعداد المتقدمين، ونسب النجاح، ومتوسطات الدرجات، والظروف التعليمية في كل مركز.
أرقام التعليم الفني تثير سؤالاً حسابياً
ومن النقاط التي تستحق التوقف في البيانات المنشورة، الأرقام المتعلقة بالتعليم الفني.
فقد ورد أن عدد المسجلين بلغ 4,948 طالباً وطالبة، في حين أُعلن أن عدد الناجحين بلغ 5,783.
وبالحساب المباشر، فإن عدد الناجحين يتجاوز عدد المسجلين، وهو أمر غير منطقي إذا كانت الأرقام تخص المجموعة نفسها.
لذلك تبدو هذه البيانات بحاجة إلى تصحيح أو توضيح رسمي قبل استخدامها في أي تحليل أو مقارنة، خصوصاً أن النسب الإحصائية تعتمد بصورة أساسية على دقة البسط والمقام.
وهذه الملاحظة لا تعني بالضرورة وجود خلل في النتيجة نفسها، فقد يكون الأمر ناتجاً عن خطأ في نقل الرقم أو اختلاف بين عدد المسجلين وعدد الجالسين أو الناجحين.
عودة الامتحانات.. المؤشر الأهم خارج الأرقام
إلى جانب نسب النجاح، تحمل عملية إعلان النتيجة دلالة مؤسسية مهمة.
وقال وزير التربية والتعليم د. التهامي الزين حجر إن النتيجة أُعلنت في ظروف بالغة الأهمية، مشيراً إلى مشاركة أكثر من 6 آلاف معلم في أعمال التصحيح، وعودة العمل إلى مقر إدارة امتحانات السودان.
وتكشف هذه المعطيات أن إنجاز الامتحانات والتصحيح وإعلان النتيجة في الظروف الحالية يمثل تحدياً يتجاوز الجانب الأكاديمي، ليصبح جزءاً من محاولة الحفاظ على مؤسسات التعليم واستمرارية الشهادة السودانية.
الشهادة السودانية في مواجهة محاولات المقارنة
وفي سياق إعلان النتيجة، أشار وكيل وزارة التربية والتعليم أحمد خليفة عمر إلى أن النظام التعليمي لديه معايير ومخرجات معتمدة، رافضاً المقارنات التي قال إن بعض الجهات تجريها بين الشهادة السودانية وامتحانات أخرى.
وهنا تتحول النتيجة من مجرد أرقام إلى قضية مرتبطة أيضاً بمستقبل الشهادة السودانية ومشروعيتها ومكانتها، خصوصاً في ظل تعدد الجهات التي تقدم أو تعلن مسارات امتحانية مرتبطة بالطلاب السودانيين خلال فترة الحرب.
وتظل قيمة أي شهادة مرتبطة بوضوح الجهة المانحة، ومعايير الامتحان، وآليات التصحيح، والاعتراف بها من المؤسسات التعليمية والجهات الرسمية.
الخلاصة.. النتيجة تحتاج إلى قراءة أبعد من الرقم
تكشف نتيجة الشهادة السودانية لعام 2026 عن معدل نجاح عام بلغ 69.6%، مع ارتفاع واضح في بعض المسارات المتخصصة واقتراب نتائج المراكز الخارجية من المعدل العام.
لكن الأهم أن قراءة هذه النتيجة تحتاج إلى تجاوز لغة الأرقام المجردة نحو تحليل أوسع للسياق الذي أُجريت فيه الامتحانات.
فالنتيجة تمثل بالنسبة لمئات الآلاف من الطلاب والأسر نهاية مرحلة تعليمية مهمة، لكنها بالنسبة للمؤسسة التعليمية السودانية تمثل أيضاً اختباراً لقدرتها على الاستمرار والحفاظ على نظام امتحانات موحد في ظروف استثنائية.
وبينما تبدو نسبة النجاح العامة متوسطة مقارنة بالمسارات التي تجاوزت 89%، فإن المعنى الحقيقي لنتيجة 2026 لن يتضح بالكامل إلا عند مقارنة الأرقام رسمياً بنتائج الأعوام السابقة، وتحليل توزيع الدرجات والنجاح بحسب الولايات والمسارات والمواد الدراسية.
وفي انتظار هذه البيانات، تبقى النتيجة المعلنة خطوة مهمة في مسار استعادة انتظام التعليم، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول مستقبل الشهادة السودانية، والفوارق بين المسارات التعليمية، وقدرة النظام التعليمي على التعافي من آثار الحرب.



