عزيزة المعراج تكتب: عروش من غبار….. فيم العناء

ثمة شعور يتسلل إليّ في ساعات الليل الأخيرة، وفي ساعات الإصغاء العميق للذات، وكظل ثقيل يرفض أن ينجلي، خوفٌ دفين وأصيل من أن نغادر هذا العالم كأمهات عاملات، دون أن يعرفنا أبناؤنا بحق. أخشى أن يمر العمر، ولا يرى الصغار من سيرنا سوى أمهات مجهدات يركضن بين المكاتب والمطابخ، دون أن يدركوا حقيقة “المعارك” التي خضناها يومياً على جبهات الحياة، تحت مسميات براقة كـ “التفاني” و”إثبات الذات”، والتي لم تكن في كثير من الأحيان سوى أوهام استهلكت نضارتنا وسرقت منا أثمن اللحظات.
في لحظات الإعياء الصامت، أجدني أحسد أولئك النساء اللاتي اخترن القناعة بالوظيفة الأسمى والأنبل: أن يكنّ ربات بيوت، ملكات متوجات على عرش مملكة صغيرة، ينسجن الدفء وينسقن التفاصيل بعيداً عن صخب المؤسسات وصراعات البقاء الوظيفي. ينتابني الذهول حين أرى ربة منزل تشكو الإجهاد أو شحوب الوجه، إذ يخيل إليّ –من فرط إنهاكي– أن لديها الوقت لترميم روحها وبشرتها، بعيداً عن حياة العاملات في “خلية النحل” التي نعيشها نحن النساء العاملات، حيث ندور في حلقة مفرغة من الاجتهاد المنهك ودوامة العمل التي لا تهدأ.
لكن الصدق يقتضي أن أستفيق من هذا الوهم لأبصر الحقيقة الكاملة.
إن الوجع الحقيقي لا يكمن في اختيار الطريق، بل في “جحود الأثر”. فالمرأة في بيتها قد تخوض حرباً لا تقل قسوة، حرباً ضد نكران الجميل. يعتقد الواهمون أن إدارة البيت وشؤون الأسرة أمر يسير، ويرون أنها فقط امرأة تجلس في البيت. في الحقيقة، إنهم يبنون بيوتهم على أنقاض جهدها الصامت، متجاهلين أن عدم التقدير سمّ بطيء، يفتك بروح المرأة، سواء كانت تغدو كل صباح إلى مكتب، أو تجلس على عرش بيتها.
إن طاحونة السعي تسرق منا جمالنا وشبابنا، لكن ما يكسر القلوب فعلاً هو أن نُستهلك حتى النخاع، ثم نكتشف أن أثمن ما قدمناه قد أُخذ على أنه “واجب بديهي” لا يستحق الثناء.
لسنا مجرد شغالات في خلية، ولا مجرد حارسات لظل البيت، نحن أرواح تتوق لأن تُفهم، تُرى، وتُقدَّر. وقبل أن نطالب الأبناء والمجتمع بفك شفرات معاركنا، ربما يجدر بنا أن نتوقف قتيلاً في هذا الركض الماراثوني، لنعيد تعريف الذات بعيداً عن أوهام الوظيفة، وبعيداً عن قيود التضحية البالغة.. كي لا نضيع نحن، في زحام المحاولة.
وحين أغيب
وراء المغيب
يقولون ….كان عنيداً
وكان يحاول شيئاً جديداً
وراح ….وخلف هذا الوجودا….
كما كان من قبل …غبياً بليداً ….
ففيم العناء



