أعمدة

جرارات ود المنسي… ومَن يدعم بقية الأقسام والمشاريع

دعم ود المنسي تساؤلات حول عدالة التوزيع

 

لا أحد يمكنه أن يعترض على دعم المزارع، ولا ينبغي لأحد أن يفعل، فكل جرار يدخل الحقل، وكل آلية تفتح مجرى ماء، وكل خطوة ترفع عن كاهل المنتج عبء الزراعة، هي في النهاية خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن في السودان حتى الدعم نفسه يحتاج إلى عدالة في توزيعه.

ولهذا فإن خبر دعم مزارعي قسم ود المنسي بمشروع الجزيرة بعدد جرارين وحفار أبو عشرينات و50 تراكتوراً، خبر يستحق أن يُقرأ من زاويتين: زاوية الفرح بما وصل إلى المزارع، وزاوية السؤال عمّا لم يصل بعد.

والسؤال هنا ليس موجهاً ضد أهالي قسم ود المنسي، ولا هو حسد لمزارعيه، فمزارعو ود المنسي يستحقون الدعم كما يستحقه كل مزارع سوداني. وإنما السؤال موجّه إلى سياسة الدعم نفسها. فإذا كانت الدولة تملك الإمكانيات لتحريك هذا العدد من الآليات لمصلحة قسم واحد، فماذا عن بقية أقسام الجزيرة والمشاريع الزراعية الأخرى؟ الرهد أين نصيبه؟ السوكي أين نصيبه؟ حلفا أين نصيبها؟ وماذا عن بقية المشاريع والمناطق الزراعية التي ينتظر مزارعوها أن يروا الدولة في الحواشة لا في السياسة؟

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية لا يمكن القفز فوقه: هل جاء هذا الدعم ضمن خطة زراعية قومية معلنة، أم أن وراءه توجيهاً سياسياً خاصاً؟ نحن لا نتهم أحداً ولا نصدر أحكاماً مسبقة، ولكن عندما يأتي هذا الحجم من الدعم إلى قسم محدد، وفي توقيت محدد، عقب لقاء قيادات تنظيمية وسياسية، فمن حق الرأي العام أن يسأل عن المعيار الذي جرى على أساسه الاختيار.

وهل الدعم الزراعي موجّه للمزارعين باعتبارهم منتجين، أم يمكن أن يتحول بطريقة أو بأخرى إلى غطاء سياسي لحضور تنظيمات بعينها داخل الأقسام الزراعية؟ وهل أصبحت المؤسسات الزراعية ساحة لتثبيت النفوذ السياسي، بدلاً من أن تكون مؤسسات لخدمة الإنتاج والمزارع؟

هذه الأسئلة لا تستهدف ود المنسي ولا مزارعيه، ولا تنتقص من حقهم في الدعم، بل على العكس؛ نحن نريد أن يصل الدعم إليهم وإلى غيرهم، ولكن وفق معيار واحد واضح يعرفه الجميع. فالدولة لا ينبغي أن تقول للمزارع: أحضر تنظيمك إلى الوزير تحصل على الآلية، وإنما ينبغي أن تقول له: هذه خريطة الاحتياجات، وهذه الأولويات، وهذا نصيب مشروعك.

وإذا كان دعم قسم ود المنسي جزءاً من خطة الدولة الزراعية، فالمطلوب أن تكون هذه الخطة معلنة وواضحة، حتى يعرف باقي الأقسام بالجزيرة ومزارعو المشاريع الأخرى مثل الرهد والسوكي وحلفا وبقية المشاريع: متى يأتي دورهم؟ وما هي معايير الأولوية؟ لأن المال العام ليس ملكاً لحركة ولا لتنظيم ولا لمجموعة، وإنما هو أمانة يفترض أن يذهب حيث تكون الحاجة والإنتاج والأولوية.

أما إذا كان هذا الدعم قد جاء بترتيب سياسي أو بتوجيه من جهة بعينها، أو ليكون غطاءً لنشاط سياسي لتنظيمات مثل العدل والمساواة داخل القسم، فهذه مسألة أخرى تماماً، وتستحق إجابة واضحة من الجهات المسؤولة. فالجرار الزراعي عندما يدخل الحقل يجب ألا يحمل معه بطاقة سياسية، والجرار عندما يشق الترعة لا ينبغي أن يسأل المزارع عن انتمائه الحزبي.

نحن نريد دولة تدعم المزارع لأنه مزارع، لا لأنه عضو في تنظيم، ولا لأنه محسوب على جهة، ولا لأنه استطاع الوصول إلى مسؤول. المعيار يجب أن يكون الإنتاج والحاجة والأولوية وعدالة توزيع الموارد.

السيد وزير المالية، إن دعم ود المنسي خطوة تُشكرون عليها إذا كان معيارها خدمة الزراعة والمزارع، ولكن نجاحها الحقيقي لا يكون بتوقف الدعم عند حدود ود المنسي، وإنما بأن نرى النهج نفسه يمتد إلى الرهد والسوكي وحلفا وبقية المشاريع وفق خطة واضحة وعادلة.

فالزراعة السودانية لا تحتاج إلى مزارع مدعوم ومزارع منسي، ولا إلى قسم في مشروع يجد أبواب الدولة مفتوحة ومشروع آخر يبحث عن مفتاحها، وإنما تحتاج إلى دولة واحدة، ومعيار واحد، وعدالة واحدة.

وفي النهاية، لا مشكلة أن يصل الجرار إلى ود المنسي، بل نفرح له ونتمنى أن تتبعه عشرات الجرارات إلى بقية الأقسام بالمشاريع. المشكلة فقط أن يكتشف الناس أن طريق بعض الآليات كان سياسياً، بينما بقية الآليات لا تزال تنتظر دورها عند بوابة التنظيمات والأحزاب والحركات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى