
ابتُلينا بحرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ولكننا دفعنا أثمانًا غالية، أُهدرت موارد وأرواح وممتلكات، وشُرّدت أُسر، وهُدمت بيوت، والوطن العيش فيه ما بين خوف من المجهول وحب وحنين جارف للعيش فيه، أملًا بأن تعود المياه لمجاريها ونعيش كنا يجب..
ولكن بعد اللهفة للحياة بأرضنا الطيبة وجدنا فيها ملامح لا تشبه حالنا، وأخلاقًا تبدلت، وقيمًا ضاعت، والتخوين والخيانة صارت كالماء الذي نشربه، ورغم مرارات العيش والحياة القاسية كله يهون من أجل وطن يلمّنا، وطن نأمل فيه ما تبقّى من العمر لنرتمي فيه بعد عنت من سنوات طاردنا فيها شبح الموت والقهر والغربة المريرة.. وحمدنا الله أننا بخير..
ولكن؟ لماذا تبدلنا؟ ولمَ كل هذا الهلع وحب النفس؟ كل يلهث من أجل نفسه، ليس فينا من يرحم غيره، من يضع العذر لأخيه، من يرحم أخاه في لحظة ضعف مرّ بها.. وأين التسامح والتعايش بسلام وإخاء..
وكل ذلك يحتمل ونصبر عليه، ولكن أن تكون صفة التخوين جزءًا من حياتنا، فهذا لا يحتمل.. كأنما نريد ثورًا يقع، فتكثر سكاكين حادة تمزق جسده.. لمَ كل هذا..
كنت أتوقع بعد مرارات النزوح والحرب التي جعلت حياتنا كأنها قيامة قامت أن نتغير للأفضل، وأن نشعر ببعضنا، وأن نرحم ونغفر ونطبطب ونضع مليون عذر لغيرنا..
رغم أن سنوات الحرب التي مررنا بها فنجد من تبدلت أخلاقه تمامًا، وللأسف لم نتعظ ولم نرتدع لنكون أفضل. ماذا لو صبرنا؟ أو احتملنا لما حصل لنا…
فمنا من كانت حياته بضنك وحياة قاسية فلم يشكُ، رغم قلة الحيلة، ولكنه كان يبحث عن الحلال.. لمَ صرنا نحلل الحرام؟ وننسى أن الله يرانا!
أقولها: إننا كشعب لم نحتمل الامتحان الذي مر بنا، ولم نرحم بعضنا، ولم نحب بعضنا، بل سقطت الأقنعة وظهر كلٌّ على حقيقته..
كل ما يوجعني أننا نخون بعضنا ونترك الجلاد الحقيقي ونهجم على الضعيف منا.. لا أقول هذا وأضع عذرًا لمن اقترف ذنوبًا.. فقط أريد التروي وأن نتحرى الحقيقة ونقف مع الحق، أو أن تقف مع أخاك ظالمًا أو مظلومًا..
وحتى إن اقترف ذنبًا نقف معه وإلى أن يعرف خطأه، ونقول: المتهم بريء حتى تثبت إدانته)…
ارحموا بعضكم يا شعبي، وتسامحوا وأغفروا، فالعمر بضع لحظات وتبقى ذكرى، فالويل لمن ظلم أخاه أو بهته أو نهش بلحمه، وحينها يجتمع الخصوم عند مقتدر قدير…
الحرب كانت درسًا، لكننا لم نعِ الدرس جيدًا، ولم نتعلم أن الأزمات تقوي ولا تضعف.
يعني إيه إذا نافست على حساب أخيك حتجمع مالًا يضمن حياتك برفاهية للأبد، ولا حتضمن من أصله إنه تعيش مرتاح… ولا كيف؟ أم سيخلد اسمك من ذهب في تاريخ الإنسانية..
أبدًا، إن لم تغتنم فرصتك أن تعيش بكرامة وكبرياء، فيا للحسرة، سوف تكون نادمًا إلى أن تلقى ربك..
كله ولا التخوين، وأجعلوا الغفران والمسامحة سمة بحياتكم..
أوجعني ما رأيته من أرض الواقع والملامح التي لا تمت لنا بصلة، كأنما تغير الجلد وتبدلت النفوس..
ارجعوا إلى ضمائركم ولو هنيهة…
كله إلا التنازل عن المبادئ والأخلاق السمحة..
كونوا بألف خير.


