عزيزة المعراج تكتب- حِينَمَا تُحَاكِمُ المَرْكَبَةُ لا الجَرِيمَةَ

حين تعجز أدوات إدارة الأزمة عن النفاذ إلى عمق الإشكاليات الهيكلية، غالباً ما تلوذ السلطات التنفيذية بـ”حلول المساحة الناعمة” أو القرارات الفوقية ذات الطابع الاستعراضي. إن قرار حكومة الولاية الأخير بمنع حركة الدراجات النارية (المواتر) بعد الساعة السادسة مساءً يقف شاهداً على هذه الحالة، إذ يتجلى كاستجابة قاصرة تستبدل المعالجة الجذرية الشاملة بفرض قيود حركية تعمّق أزمة الشارع بدلاً من إطفائها.
من الناحية الأمنية، يُعتبر استخدام الدراجات النارية في تنفيذ الجرائم أو من قِبل المنفذين للاختراقات التكتيكية عرضاً لمشكلة أكبر، وليس السيولة الأمنية ذاتها. إن اختزال أزمة الأمن في “مركبة” ينمّ عن مقاربة إدارية قصيرة النظر، فالأمن المستدام لا يُصنع بتقييد أدوات التنقل الشريفة، بل يستدعي استراتيجية متكاملة تقوم على بسط هيبة الدولة، ورفع كفاءة الأجهزة الاستخبارية والشرطية، وتأمين المحاور الحيوية والأحياء السكنية عبر الدوريات النشطة والتكنولوجيا الحديثة. منع الحركة ليلاً لا يلغي الجريمة، بل ينقلها من مسرح إلى آخر أو يبتكر لها أدوات جديدة، بينما تدفع القطاعات المنضبطة بالقانون فاتورة هذا الخلل.
وعلى الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، يأتي هذا القرار في لحظة فارقة تتسم بارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، وتصاعد أسعار الوقود، وتدهور القدرة الشرائية للغالبية العظمى من الأسر السودانية. إن الدراجة النارية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو تنقل ثانوي، بل تحولت إلى شريان حياة اقتصادي ومصدر دخل أساسي لآلاف الشباب والعاملين في القطاعات غير المنظمة، ووسيلة نجدة سريعة لقضاء الحاجات الضرورية للأسر التي تعجز عن تحمّل تكاليف تشغيل السيارات أو أجور المواصلات العامة الباهظة. تقييد هذه الحركة عند السادسة مساءً — وهي ذروة النشاط التجاري والخدمي المسائي — يعني صراحة شلل قطاع واسع من الاقتصاد المحلي وخنق أرزاق شريحة حيوية تعتمد على كسبها اليومي.
إن معيار نجاح السياسات العامة لا يُقاس بحجم القرارات الصادرة ولا بالنوايا المعلنة، بل بمدى أثرها الملموس على استقرار المجتمع وجودة حياة أفراده. والواقع يؤكد أن القرارات التي تُبنى على حلول مظلية أو سهلة، دون دراسة لآثارها الجانبية المباشرة، تؤدي إلى نتائج عكسية: تزيد من العبء النفسي والاقتصادي على المواطن، وتولّد حالة من الفجوة بين السلطة الشرعية والمجتمع.
ما يحتاجه المواطن اليوم ليس مزيداً من الإجراءات الاستثنائية التي تضيّق عليه خيارات المعيشة والبقاء، بل رؤية شجاعة تعالج جذور الأزمات، عبر تعزيز الانتشار الميداني وتفعيل آليات الردع المبكر والملاحقة المركزة للبؤر الإجرامية دون التعميم الشامل، وعبر تدابير واقعية تخفف عن المواطن أعباء المعيشة وتدعم استدامة الحركة الاقتصادية.
إن المطالبة بمراجعة هذا القرار ليست مجرد تسجيل لموقف نقدي، بل هي ضرورة حتمية تيسيراً للمواطن الذي تعثرت به كل السبل، ليكون المواطن شريكاً في الأمن وليس ضحية لمعالجاته.


